كان الهاتف الأول الذي أتلقاه في المكتب بعد العودة من الإجازة في أول صباح خريفي، وجاء الهاتف حاملا صوتا مشككا.. مرتبكا.. مكذبا.. ومتسائلا.. لكني عرفتها على الفور، ولم تكد الأسئلة تنهمر حتى أوقفها ذكري اسمها مقرونا بسؤال أيضا.
وكأن الغياب لم يستمر لأكثر من عقدين من العمر انقطعت فيها الاتصالات بيننا، وتوقفت الأخبار تماما، وفي دقائق تكومت الذكريات والحكايات وأمواج من الأسماء التي اختار كل منها ناصية من الجغرافيا، فتناثرت وتناءت مقارها؛ بحكم الوظيفة أو الارتباط الاجتماعي، ما لم يختر الله بعضها إلى جواره.
ولم تتخلف عن اللقاء المفاجئ نكهة الإفطار المدرسي، مع درجات التفوق والإخفاق، وعلامات التشجيع والتوبيخ من المعلمات، ومشاغبات البنات، وما يتصورنه من أفكار عبقرية بدت لهن كذلك في تلك الأيام، وتعثرت كلتانا في جحيم الأخبار المحفوظة، ومبررات البحث العاجز، ووقعنا في بحيرة من النشيج.
وإذ تخلصت من اضطراب المفاجأة المضببة والمفرحة؛ شكرت إذاعة نور دبي لكن لماذا؟ فعرفت أنها اهتدت إلى مكاني من خلال أحد برامجها المباشرة حين ذكر المذيع اسمي مسبوقا بالزميلة الكاتبة فقط. لتبدأ عملية البحث في الصحف الإماراتية، التي انتهت بـ »البيان« حيث وجدتني بمجرد اتصال هاتفي.
كيف يحصل مثل هذا الغياب الفاقع؟ ولماذا يدوم سنوات طوالاً؟ وكيف تفشل محاولات البحث عن الوصول إلى معرفة مكان أي منا، ونحن نقيم في بلد واحد، بل وفي مدينة واحدة! لا يفصلنا سوى الشوارع ولا تحجبنا سوى البنايات؟! فكيف يهزمنا الغياب بوهم المسؤوليات الذي يغمرنا بمهامها الحياتية حد الضياع عن الذات؟. أهو ذنب الطوفان البشري والحديدي المتلاطم على هذه الأرض؟ أم تراه ايثارا ترتهن له النفس حين تتشابه أمامها الأشياء فيتساوى الانعزال والاتصال! فيقبع المرء مستسلما لوابل الإحباط في الواقع، وينساق لمغبة الاستلاب.
في هذه العودة لم أتلق أثمن من هذه المكافأة التي أستميحكم عذرا في التعبير عنها، وتزكيتها مادة لعودتي إلى الزاوية، وذلك لان سُليمى ليست رفيقة الصغر وشريكة مقاعد الدراسة المبكرة قبل ان تتفرق بنا الدروب، وإنما لأنها شاعرة مجودة، وكاتبة مرهفة، ومبدعة مفعمة باللغة التي منحت منها الكثير لرسالتها كمربية ومعلمة لأكثر من عقدين ونصف، وآن الوقت لتستعيد قلمها ولتعود إلينا والى نفسها الحقيقية.. اسما وقلما طالما أجاد نظم القوافي شعرا ونثرا تم اختزانها في دفاتر الظل.
ومما لاشك فيه ان الساحة الثقافية اليوم تستوعب إسهام سليمى وتحتاج إليه، تماما كحاجتها إلى نفسها، وها نحن واياكم بوعد، وعلى موعد مع اشراق قلم نهض أخيرا، ووضع دفاتر التحضير جانبا ليفتح كراسة التعبير، وينفض عنه غبار الطباشير بعدما أنجز بها واجبه، وليعتمد وجهة طالما غاب عنها.. لكن من أي المحطات سينطلق هذا القلم؟ هذا ما ستكشفه المتابعة، ويحسم اجابته حرف يتهيأ للعودة، وقد بدأ يعيد ملء قلبه بالمداد.
