يتذكر محارب الماضي. وهو يعرف السعي الروحي الذي يقوم به الإنسان، ويعرف أن هذا السعي يشكل بعض أفضل صفحات التاريخ. ويشكل أيضاً بعض أسوأ صفحاته، المذابح، والتضحيات، والنزعة الظلامية. وهذا السعي تم استغلاله لغايات خاصة ومثالياته عملت بمثابة درع مخططات رهيبة.

سمع المحارب بالفعل تعليقات من نوع: «كيف لي أن أعرف أن هذا هو الطريق الحق؟» لقد رأى كثيرين يتخلون عن هذا السعي لأنهم لم يعرفوا الكيفية التي يجيبون بها عن ذلك السؤال.

غير أن المحارب ليست لديه أدنى شكوك، فهو يتبع وصفة ناجحة. فقد قال المسيح: «كل شجرة تُعرف بثمارها».

يتبع المحارب هذه القاعدة، ولا تخذله أبداً.

* * *

وصل حكيم إلى مدينة كبيرة في بلاد فارس، وكانت الجموع تحتشد حوله كل صباح. ولكن مع مرور الأيام لم يعد وجوده شيئاً جديداً. وقالوا له، وهم يمضون إلى البحث عن حكيم جديد ليريهم الطريق: «إننا نعرف كل ما كان عليك تعليمنا إياه».

على الرغم من أن الحكيم لم يلق أذناً صاغية، إلا أنه لم ينفك عن الذهاب إلى الساحة ليلقي عظته. سأله أحد الصبية: «لمَ تصر على الاستمرار هنا؟ ألا ترى أنك لا تحدث إلا نفسك؟». فأجاب: «من يملكون الشجاعة لقول ما يشعرون به في قرارة أنفسهم هم على تواصل دائم مع الله. وأنا أحاول الإصغاء إليه وأنا أتحدث. والحقيقة القائلة بأن لدي جمهوراً بين الحين والآخر لا تغير من الأمر شيئاً».

* * *

خلال مأدبة عشاء في دير «سكيتا»، نهض أكبر الرهبان سناً ليقدم ماء للموجودين. تنقل من طاولة لأخرى بجهد جهيد، ولكن أحداً من الكهنة لم يقبل الماء منه.

قالوا في قرارة أنفسهم: «نحن لا نستحق خدمة هذا القديس».

عندما وصل الرجل العجوز إلى مائدة الأب جون الصغير، طُلب منه ملء القدح حتى حافته. راقب بقية الرهبان المشهد بوجل. وبعد فراغهم من تناول العشاء، أحاطوا بجون الصغير قائلين: «كيف لك أن تعتبر نفسك جديراً بقبول ذلك الماء؟ ألم تلاحظ التضحية التي كان يقوم بها لخدمتك؟»

فأجاب: «كيف لي أن أوقف الخير عن إظهار نفسه؟ أنتم يا من تعدون أنفسكم قديسين لم تتواضعوا للقبول وحرمتم الرجل المسكين من متعة العطاء».

* * *

يحكي تقليد صوفي قصة ملك كان يبحث عن رسامين مهرة ليزينوا له قصره. فبرز فريقان- أحدهما إغريقي والآخر صيني، بأفضل فنانيهما، وهما يحاولان انجاز عمل سيدر عليهما ألوف القطع الذهبية. وطلب الملك من كل واحد منهما، كاختبار لهما، تزيين جدار إحدى الغرف. ولمنع كلٍ من الفريقين من رؤية عمل الآخر، اختار جدارين متقابلين وقام بتعليق ستارة بينهما.

قام الصينيون بطلاء جدارهم بعناية، بينما قضى الإغريق وقتهم كله في صقل سطح الجدار الآخر مراراً وتكراراً. وأخيراً انتصف اليوم الذي قرر فيه الملك إزالة الستارة ومقارنة النتائج.

على جانب رأى لوحة إغريقية جميلة. أما على الجدار الآخر، الذي تم صقله حتى تحول إلى مرآة، رأى الملك لوحة صينية جميلة أيضاً، ولكن مع صورته في وسطها.

قال الملك: «هذه اللوحة هي الأفضل». وفاز الإغريق بالعقد، لأنهم كانوا يعلمون كيفية التعامل مع الثمار المخبأة في قلب البشر.

ترجمة: كوثر علي