لا يختلف اثنان على أن واقع الترجمة في العالم العربي هو واقع مترد، تسوده الفوضى وتغيب عنه جهود التنسيق والتعاون العربيين، وهذا الواقع أفرز نوعيات من المواد المترجمة التي لا تمثل طموح الأمة وروادها، وتعجز عن نقل المنتج الفكري والحضاري للأمة للآخر، هذا إلى جانب ما يعانيه الكتاب العربي من صعوبات الانتقال والنشر والانتشار ووجود ضغوط الرقيب، وهي ضغوط مفجعة تصل لحد القمع والحجر الفكري.
يقابل هذا الواقع المتردي واقع زاخر بالحركة النشطة للترجمة بدأت عند العرب وتحفظه الذاكرة العربية في تاريخ مسيرتها، حينما انكب العربي على الترجمة والنقل في عصر الدولة الأموية والدولة العباسية فطرق العرب أبواب علوم الفلسفة والهندسة والرياضيات والفلك والطب وغيرها من العلوم، وكان الأمر تحت إشراف الدولة وبحركة ترجمة ونقل لم يشهد لها التاريخ المثيل.
هذا المجد التليد الذي صاغ الحضارة العربية العلمية، وما نعايشه اليوم من واقع أليم في نقل صورتنا وصوتنا للآخر والتعريف بحضارة العربي الحالية، وجعل منجزاته العلمية والفكرية والإبداعية هي سلاح المقاومة والانتشار في العالم، وشعلة النور والتنوير.
تمثل في سؤال التحدي الذي طرحه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلال مؤتمر المعرفة الأول الذي انتهت فعالياته مؤخراً، حينما تحدى سموه مجتمع الثقافة والعلوم العربي أن يتمكن من تحقيق طموحات مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في نشر ألف كتاب جديد في السنة الواحدة مطالباً سموه الناشرين العرب أن يشمروا عن سواعدهم لهذه المهمة، مهمة النهوض بالأثر الفكري والعلمي العربيين وإبرازهما للعالم والمشاركة بهما في فعل التنوير الحضاري الإنساني.
سؤال التحدي هذا، يحمل في طياته الكثير من الأسئلة التي تحاول التصدي لدعوات العجز والشعور بالتقاعس والكسل، وسؤال ينفي مقولة أنه لا يوجد في الوطن مكان للعمل والتفاؤل والأمل.
سؤال التحدي هذا، ينفض الغبار عن كنوز الفكر والإبداع العربيين ويعيد إحياء حركة العلوم العربية في حياة العالم. انه السؤال المحفز على العمل، والإقبال عليه وترك الحسرة والتحسر وتجاوز العقبات والقيود.
ألف كتاب عربي مترجم إلى اللغات الأخرى المختلفة في العام الواحد. هذا أول الأهداف التي أطلقها سموه في مشروع دعم حركة النقل من العربية، وهو أمر في تحققه تجنح أحلام الفكر وتنفك من قيودها، ومنجز كبير سيصارع تلك القيود ويفك الحصار عن رحلات الحضارة العربية ويعيد إليها التألق من جديد في زمن توارى فيه الصوت العربي وراء كثير من الانتكاسات والأمراض النفسية وتأنيب الضمير.
يفتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم سؤال التحدي على مصاريعه من أجل شحذ الهمم وعمل السواعد وفتح النوافذ أمام نبوءات الفكر العربي لكي تعبر إلى ضفاف العالم، ويضع الحصان أمام العربة التي كانت قد تسمرت في مكانها وفاتها الركب.
سؤال التحدي هذا، سؤال استنهاض همم وعزائم ولي رقبة اليأس والعبور إلى ضفاف نهر التفاؤل والأمل.
إنعاش واقع الترجمة العربية، هو إنعاش للتواصل الحضاري بين الأمة العربية وأمم العالم، وتفعيل التقاء الحضارات في صوره المثلى، والوقوف أمام العالم مع شعلة من نور.
سؤال التحدي، محفز على العطاء والجميع مدعوون لهذا العطاء في كل شبر من هذا الوطن الكبير. فقد أزف الوقت ولم يعد هناك متسع منه للنظر إلى الخلف. إنها النافذة التي تشرع على العالم، وكما قال سموه. (نحن لها).