تعرضت اللغة العربية عبر تاريخنا الحضاري، منذ ظهور الإسلام وحتى يومنا هذا إلى العديد من حملات الإلغاء أو التشويه أو الرفض، ولكن كل تلك الحملات باءت بالفشل ولم تنجح، نذكر منها سياسة التتريك ومنع تداول اللغة العربية في الدولة العثمانية التي سيطرت على جميع الأقطار العربية تقريباً، وكذلك محاولات بسط الفارسية عبر السيطرة الصفوية على جزء من الوطن العربي عبر الصراع العثماني الصفوي الذي كان ساحته العراق.

وإذا ما تركنا القرون البعيدة من تاريخنا، فإن التاريخ الحديث شهد ويشهد مثل تلك المحاولات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر سياسة الفرنسة التي مارستها فرنسا خلال استعمار دول المغرب العربي، ومنعها تداول العربية حتى في حوارات الناس وفي الأسواق، ظناً منها أنا تستطيع إلغاء لغة الشعوب الأساسية وتحل محلها لغتها.

والآن تواجه اللغة العربية حملة خطيرة في محاولة لتهميشها تأخذ أبعاداً غير تلك الأبعاد الشوفينية أو الدينية التي طرحت سابقاً، لأن الأسباب الحالية ترتبط بالسوق التجاري أو سوق العمالة، ويمكنني القول إن هذا الجانب أكثر خطورة من الجوانب التي صاحبت الحملات السابقة التي مورست تحت تسميات مختلفة مثل التتريك أو الفرنسة... الخ.

كان القرآن الكريم في كل تلك المحاولات السابقة هو السلاح الأساسي لدى كل العرب الذين تعرضوا إلى تلك السياسات الشوفينية فما من عربي مسلم إلا ويقرأ القرآن، أو يحفظه، وحتى لو أن اللغة قد ألغيت في تلك الفترات من المدارس النظامية، فإن الكتاتيب كانت الأساس في إحيائها، من خلال تعليم الأطفال،وزرع العربية في نفوسهم.

ولأن للقرآن الكريم قدسية، ليس عند الطفل وحسب بل عند ذويه، والمجتمع بشكل عام، ولأنه ليس كتاباً يرتبط الإنسان به ارتباطاً هشاً، بل لأن القرآن الكريم منزل من عند الله سبحانه وتعالى، ويمثل القيم الحقيقية للمجتمعات العربية الإسلامية.

ويرتبط مصيرياً بالإنسان، لأنه وسيلة العبد لارتباطه بالخالق، لذا فإن ارتباط العربي المسلم بالقرآن ولغته كان ارتباطاً مصيرياً يتعدى كل ما يتعرض له الفرد من ضغوطات أو اضطهاد، أو سجن أو اعتقال، بل وحتى الموت. من هنا حافظ العرب على لغتهم رغم كل ما واجهوه من ضغوط وصعاب وأنظمة تعسفية لا تفهم إلا أسلوب التعذيب والقتل.

أما اليوم فالموقف يشكل أكثر خطورة، نعم فالقرآن الكريم ما زال سلاحاً هاماً في الحفاظ على اللغة، إلا أن بعض المعادلات هي التي تغيرت، فمع دخول العصرنة الجديدة في الحياة اليومية، واختلاف المناهج في المدارس وحرية اختيار بعض تلك المناهج وانفتاح أساليب التعليم، وبنية العائلة الحديثة والمجتمع المنفتح على مصراعيه، أصبحنا أمام حالة جديدة، فالأب أساساً لا يفكر إلا في كيفية إيجاد فرصة عمل مستقبلية له ولأبنائه، والفرص ترتبط باللغة، واللغة السائدة في العمل التجاري والمصالح هي الإنجليزية.

فإن العديد من الأطفال ضاعت فرصهم في التركيز على اللغة الأم، وأصبحت ثانوية أمام اللغة الإنجليزية الأساسية في كل مراحل الدراسة وفي أحسن الأحوال، بل أن معظم الأطفال تحت سيطرة المربية الأجنبية التي لن تخاطبه إلا بلغتها وأحياناً بالإنجليزية، إضافة لدور العائلة الهجين الذي يفاخر أعضاؤه بالتخاطب بالإنجليزية.

إن اللغة العربية في عصرنا الحاضر تواجه عدة أخطار أهمها:

* سيادة اللغة الإنجليزية لتكون لغة العمل والاقتصاد في العالم.

* هجوم اللهجات العامية، عبر الفضائيات.

* ظهور لغة شارع جديد، تشوه العربية، وتدخل فيها مجموعة من مصطلحات عديدة تمثل خليطاً غير متجانس للتركيبة السكانية.

والسؤال الذي يؤرقني كما يؤرق غيري.. هل سيظل القرآن الكريم سلاحنا الوحيد في مجابهة هذه الحملات؟ أم نحتاج إلى وسائل أخرى متممة لهذا السلاح، من أجل الحفاظ على لغة الضاد؟!

abdulelah_q@hotmail.com