يعود المسافر مكرراً حضوره المبكِّر كما في كل مرة؛ فيسبق الأعوام. يأتي في شهر من فصل خريفي قادماً من الأزل.. مخفوراً بالنور؛ جالباً لنا حدائق من سكينة وجمال. يمر بنا كغريب متأنق مسالم، وبأدب كوني يعبر باتجاه الأبد.

تتعلق القلوب بأيامه العجلة، وتتراكض الأعمال الخيِّرة خلف ساعاته، وساعاته تفرُّ في لحظات.

ترى.. من يضِل عن دربه وهو دليل الطاعات؟ ومن لا يهتدي إلى آثاره المنمنمة حيث تزخرِف لياليه الأرض؟ ومن لا يجري إلى أيامه الوفيرة بالرحمة الحافلة بالخير؟

مضى وقت طويل على غيابه؛ لكن.. وهلاله قد هل.. فها هو طرفه لنا يلوح؛ فنتزاحم كأنما لنلقي إليه بالنظرة الأخيرة؛ بينما هو يطل من أعيننا؛ لكن أعيننا فارغة فنتدافع لاكتساح الظهيرة نحو شرنقة التبذير.

ثم يهدر اللامبالون ما تبقى في الليل... حين يُحتجز تحت خِيَم من الدخان والسهر العبثي؛ فيقطِّب حاجبيه ويكسو وجهه حزن عميق، ولعله يهز رأسه قائلا: لا أعرفكم!

يأتينا دائما وحيدا؛ كطفل يتيم لا يبقى بيننا سوى أيام قليلة، وكشمعة مشتعلة سرعان ما تتلاشى بعد أن تميل برأسها فنسبح في الظلام... يمضي متجهماً وساهماً.

فمن يضمن لقاءه خلف هذه اللحظة في مولد المستقبل البعيد؟ وكيف تتهيأ لنا فرصة حية لنهتدي إلى ضالتنا في انتشاره اللامنتهي ونحن نتناهى في الصغر؟ وكيف يهبط إلى ليلنا إذا شحَّت السحب؟ وكيف يهم بنا إذا سقطت المآذن؟ وهل سيشدُّ على أيادينا إذا خذلت الجموع مناراتنا؟ وغابت ذات يوم وجوهنا عن لغته؟

إنه فلك من نفحات روحانية مجللّة بياسمين سماوي ندي. ضيف قدسي تتمدد فيه الأيادي البيض، وتتحصَّن به الجوارح. يمر كومضة نورانية سنوية؛ لكنه باق ما بقي الذِّكر لا يغيب حتى يدركنا العطش؛ فما زالت ثمة هيبة فطرية تفيض عند أركان السمر، وما زالت حروفه تتلألأ إجلالا على أرض تتنفس بشجر يتسول من البحر، مازال هو زاد الفقراء وبهاء الأغنياء.

هو الكريم الذي يلتمس المؤمنون من رائه الرضوان، ويهرول المذنبون خلف ميمه التماسا للمغفرة، وهو من يطمع الطائعون في ضاده لضمان الأجر على حسناتهم. هو من يجد المتوكلون في ألفه الحظ بألفة الله، وينال الملِحّون على مطالبهم بالدعاء في نونه مبتغاهم؛ من أثقل ما في الميزان، وأحب ما للرحمن، وبأجلّ سعي للإنسان.

كيف لا وتحت جنحه تُذب المعاصي، وعلى شفا حدوده تنهار المظالم، وفي غضونه تنهال المكرمات؟! إنه النعمة الفعلية لسعداء الحظ ممن يشهدونه. إنه الرحمة الأولى المهداة، والمغفرة الثانية الممنوحة، والعتق الأخير الموثّق. فكيف لا نلهث من جهدنا كل ليلة ونهُبّ إليه؟!

فيهبنا من عيون الحقيقة العذبة عناقيد من عقود خالدة في النعيم الأبدي، وكيف لا نُسرف في التقوى؟! ونحن نتلمَّس الإيمان في أعماقنا لأجل وجه الله، وفي رمضان.

falhudaidi@albayan.ae