قديما كانت الحكايات الشعبية تحمل دروساً في التربية والتوجيه، من خلال صور الشجاعة ومواقف النبل الإنساني، كما تبرز صفات الشهامة، وتركز على القيم الايجابية وجوانب الخير في البطل مهما قل شأن بطل الحكاية المادي أو ضؤل بنيانه الجسدي؛ لكنه يتحلى بصفات تؤهله دائما للنصر وتجعله مفخرة للاقتداء.
إلا أن الحكاية تظل مناخا خياليا تعمّه المبالغة ويغلّفه الوهم؛ هكذا أدرك المرء بعدما غادر مرابع البراءة ووعى، وتوسع في معايشة الواقع واستوعب أن كل ما كان يرد في الحكايات محض خرافة، قد يؤدي إلى هدف افتراضي؛ غالبا لا يمكن تحقيقه. وأكثر القيم التي يكرسها القص عادة تتمحور حول مبدئي القوة لحماية الممتلكات والكرامة لحماية الذات، والتشديد على فضيلة الحرص على سلامتهما ولو اقتضى الأمر التخلي عن الحياة ثمنا للمبدأ.
وكم أمتعتنا حكايات الجدات، وكم حلق بنا سردهن إلى فضاءات سامية على أجنحة العزة قبل أن تدركنا النهاية إذا مات البطل فتشهق أرواحنا عجبا وحسرة، حين تجهز على ذلك القوي النبيل كلمة؛ يكون فيها مقتله فقط..لأنها مست كرامته! هكذا كانت تبث إلينا جداتنا رسائلهن للحياة، حيث تقترن الحساسية بالقوة، وحيث كان العجب مخرجنا من غبن النهاية فنتساءل.. حقا هل تقتل المرء كلمة؟!
باعتباره سبباً يندرج في قائمة المستحيلات الأربعة....أو لعلها خصيصة تشمل المرهفين ومن يُنعتون بالحساسية المفرطة، أو لعل ذلك من سمات عصور الفطرة السابقة في القدم! ترى هل يجد شيء من هذه القيم مساحة في عصر غلبت عليه نوازع الانتفاعية، وسادته الوصولية وأولوية التنازلات لتحقيق المصالح الشخصية؟
زمن غابت عنه كثير من القيم الفطرية، ولم تتبق منها إلا صرخة محبطٍ آنية حين يشتد به الشعور بالغضب. متغيرات أفقدت الكائن البشري كثيراً من حساسيته الواجبة. إلا أن كثيراً من المخلوقات ما زالت تتحلى بالحساسية، وما زال القهر سببا يؤدي بها إلى حتفها، تلك الكائنات التي لم تتحول فطرتها ولم تشملها محاولات التهجين من قبل الإنسان. ولو تفكر المرء في مخلوقات الله حوله لأدرك اشتراكه معها ليس في الصفات بل وفي القيم.
ولعل من أكرم المخلوقات هي الخيل، وكم نقل لنا التاريخ عن فرس لفظت أنفاسها على قبر فارسها بُعيد أيام، وقد أودى بها الحزن على فراقه؛ قد يكون فراق الأليف سببا وقد تكون الخشية من رفقة جديدة تذلها؟
أما الصقر وهو من أشرف الطيور فإنه لا يتردد في تقديم روحه ثمنا لكرامته، فلو تجرأ طائر غيره على فريسة خاصة به فاجتز قبله قطعة منها أو لقمة؛ فإنه يموت كمداً من فوره، وإن كان محلقا وشاءت المصادفة أن تحلق فوقه حمامة، أو مر بقربه عصفور وحان وقت تخلصه من فضلاته، وطال الصقر منها شيء؛ فإنه لا يحتمل هذه الإهانة ويلفظ أنفاسه على الفور.
أما الأفعى التي يُطلق عليها ( الهامّة) فإنها تُخرج حجراً من جوفها يطلق مادة تجذب الحشرات لتتغذى عليها، وحياة الهامة متوقفة على هذا الحجر النادر؛ فإن تمكن مخلوق من الاستيلاء عليه ولم تفتك به؛ فإنها تموت من قهرها؛ وقد أخفقت في الحفاظ عليه. و..سبحانه.. له في خلقه شؤون.
