ليس من اسهل كثيرا أن يستدعي المرء ذاكرته الخاصة، وأن يفتح دفاتره القديمة، وأن يقدح فكره وراء الخاطر الغائب، والمشاعر المتراكمة المكنونة في تلافيف الوجدان.
وأن يتوقف ذهنه بعين دامعة للحظة في إحدى محطات العمر السابق، أو بشفاه باسمة عندما يجد نفسه في حالة مقارنة بين أمسه واليوم، فكيف به إذا وجد نفسه مدفوعا إلى النبش في ذواكر الآخرين، مضطرا لاقتحام عالم لا يعلم مداه ولا فحواه إلا من خلال ما تناقل من كلام يصل غالبا وهو مبتور، ومعايشات قليلة لا تتحلى بالكثير من ملامح الأمس. إنها مهمة محفوفة بالحرج؛ حيث يطرق أبواب ذكرياتهم من دون سابق معرفة، ولا مقدمات لأولئك الذين قدحت حبال الصبر أياديهم، وجرّحت حجارة الكد أقدامهم.
فكيف يمكن الاقتراب من ملتقاهم المحصّن بالثرثرة الجريئة المعمرة، وقَيد المبادرة الواجبة يشلّها، فلا يدري من أين يبدأ، ولا كيف سينتهي به اللقاء وقد وجد نفسه كمن نكش خلية نحل ساكنة، عندها عليه أن يتقبل انهمار التفاصيل المحمّلة بزخم من العواطف المعتّقة بالتاريخ والجغرافيا والسِير، وقد فُتحت له حقائب من الذكريات المنهالة بلا هوادة.
وعندها يدرك مغبة الاقتراب من مخزون العمر الملون، وهو يتقاطر من أفواه مسنين احتفظوا زمنا بحكاياتهم ومغامراتهم وتجاربهم، يتداولونها فيما بينهم بعيدا عن مسامع الغرباء، أو أبناء اليوم الذين يتفكّهون على قصص الأجداد باستخفاف محزن، بينما يصف الأجداد أنفسهم بجيل المعاناة والصبر.
ولكن الرضى أيضا... أن يُثير المرء ذكريات مزمنة مخزونة في الصدور لعشرات العقود، ولا يقوى على جمعها، فهو أيضا لا يجرؤ على إغلاق أبوابها وقد تعمد الطرق عليها. فماذا عليه أن يفعل، وأمامه مسنون.. أناس مفعمون بالرغبة في الكلام والحاجة لمن يستمع إليهم، يئسوا كما يبدو من التواصل مع المحيط الخارجي.
وتعبوا من المحاولات الحثيثة للتصالح مع معطيات اليوم وهضمها، فصنعوا لهم محيطا يلجأون إليه كل مساء في توقيت ثابت لا يتغير ولا يتقدم أو يتأخر، يتسامرون.. يعلّقون على بعضهم بعضا.. يشربون الشاي بالحليب، وقليلا من العصير، ويتناولون الكثير من (السوالف) عن الأسفار، التي لا تنتهي ولا تتوقف إلا عندما يُغلق باب المقهى الذي يفصلهم.. ويجمعهم، وعندما يهزمهم الإنهاك. إلا أن أبواب الذكريات سوف تبقى مشرعة لا ولن تُغلق أبدا.. إلا أن يصدها باب المقهى الزجاجي.
