توصف الحاجة بأم الاختراع، لكونها الدافع إليه والمولدة له، لكن الحاجة ليست دائماً وراء ذلك الدافع، فقد يكون الدافع حساً توعوياً مسؤولاً، يتمتع بذائقة إبداعية وفنية يوظفها لغاية سامية.
يبتكر أحدهم أمراً يثير إعجابك، لجدته وبساطته، ومن ثم حجم فائدته وعمق متعته؛ فتغبطه على عمله لكونه سبق إليه، وقد تحسده إذ كان الأمر قريباً من أصابعك؛ لكنك لم تمسك به فتفوز بسبقه.
دعوني أتحدث عن ابتكار بديع شاهدته في أحد مطاعم دولتنا.. الإمارات. وحيث جميعنا اليوم نرتاد المطاعم، التي يخضع اختيارنا لها لاعتبارات عديدة ومختلفة، وأهمها مستوى النظافة ومستوى الخدمة وما تحتويه قائمة الطعام من أطباق يفضلها المرء دون سواها.
إن قائمة الطعام أو(المنيو) وهي الكلمة التي اعتاد الناس على استخدامها اليوم، هي أول ما يُقدم للمرء في هذه الأماكن. وقائمة الطعام هذه تعكس العديد من الجوانب من مجرد النظر لشكلها الخارجي وأسلوب تصميمها، الذي يوليه أصحاب المطاعم عناية كبيرة واهتماماً خاصاً تدفعهم إليه المنافسة القوية بسبب كثرة هذه المرافق وانتشارها، وذلك بالطبع لاستقطاب أكبر عدد من الزبائن، وبالتالي تحقيق سمعة طيبة وشهرة سريعة تجلب الربح المستمر.
وقد يشير شكل التصميم لشخصية القائم على هذا المرفق، ويعكس أسلوب إدارته ومستوى ثقافته. وبعدما أصبحت القائمة عاملاً من عوامل الجذب باعتبار أنها من الأدلة الأولى على مستوى المطعم؛ من حيث الفخامة أو البساطة وما بينهما، فقد ظهرت نماذج عديدة لتؤدي أكثر من غرض.
وقد حرص أصحاب هذه الأماكن على تدليل قوائمهم ـ إن صح القول ـ والتفنن في ابتكار الجديد منها واللافت، فتجد الورقية الفاخرة أو الجلدية العريقة أو القماشية المشغولة يدوياً، أو الحريرية المطرزة بأسلوب فني ينم عن ذوق رفيع.
وأما القائمة التي سأتحدث عنها وجدت فيها ابتكاراً جميلاً؛ وكانت لأحد المطاعم في الإمارات، وقد حرص القائمون فيه على طباعتها على ورق كرتون الـ (كانسون) الذي يستخدمه الفنانون التشكيليون المحترفون لتنفيذ أعمالهم الإبداعية في لوحاتهم الفنية. وكانت القائمة في حجم صحيفة التابلويد على شكل مطوية، ذات ألوان فاتحة بهيجة مريحة للعين.
تطالع محتوى الصفحة الأولى، وقد ضمت بعضاً من الأعمال الفنية العالمية الخالدة؛ التي تعد إرثاً حضارياً على مر التاريخ، ومنها لوحة ليوناردو دافنشي الشهيرة الموناليزا ومعها نبذة عنها وعن صاحبها، وفي زاوية بارزة طُبعت نبذة تعريفية بالفن الإسلامي.
وفي زاوية أخرى أُدرجت معلومات مختصرة عن بطاقات الائتمان وكيفية تصميمها وعملها، وذلك إلى جانب آلة موسيقية في زاوية رابعة وتحتها نبذة مبسطة عنها، وفي مساحة جانبية توجد معلومات ميسرة عن الجسم البشري، وفي وسط الـ (منيو) ملخّص يقوم بعمل الفهرس لمحتوى الصفحة الأولى، وكل ذلك موضّح بالصور. إنها وجبة إضافية تقدم المعلومات العامة أو تُعيد التذكير بها.
بمثل هذه الطرائق تقدَم جملة من الخدمات أو الوجبات المجانية، التي لا تقتصر على وجبة الغذاء المدفوعة الثمن، وإنما خدمات أجل وأقيم تساهم بوسيلة سهلة في نشر الثقافة والمعرفة، ويمكن التوعية، كما تجلب التسلية، إلى جانب ما تحققه من فائدة. أليست فكرة إنسانية جيدة؟! حيث لا يضطر صاحب الطلب إلى استعجال النادل بناءً على إلحاح معدته، وإنما يصرف وقته في التهام وجبة ثقافية تخلّصه من نزق الانتظار، وتمنحه الصبر والمتعة.
لمثل هذه الابتكارات يتوجب على المرء الإشارة إليها، والثناء على طرحها، وتوجيه التحية لأصحابها.
