تتعقد حياتنا وتتشابك، هجرات وتنقلات بشرية، تنعكس نتائجها على المجتمعات سلباً وإيجاباً، وتنقل معها إشكالات عديدة قد تبدو أحياناً ضرباً في المبالغات الخيالية.

العراق أنموذج..

في نهاية الأربعينات هاجر معظم يهود العراق، بعضهم لم تعجبه الحياة في داخل الدولة العبرية، التي هاجر أو هجّر إليها، ورفض العيش على أرض الميعاد واختار منفى أو مهجراً أوروبياً وعاش هناك.

في نهاية الستينات هجّرت أعداد كبيرة من العراقيين إلى إيران بحجة كونهم ليسوا عراقيين أو من أصول فارسية أو لأسباب أخرى، وكان معظمهم ليسوا فرساً أو إيرانيين حسب معرفتي الشخصية بالكثير منهم.

في منتصف السبعينات بدأت هجرة سياسية واسعة تنامت حتى بداية الثمانينات ثم أغلقت الحدود بأمر من الحكومة لوقف نزيف الهجرة، لكنها انفتحت على مصراعيها أيام الحصار الأميركي، ثم انفجرت ثانية، بعد الاحتلال.

يعني أن حوالي ثلث سكان العراق هاجروا خلال ستين عاماً الأخيرة.

جميع المهاجرين بمختلف أسبابهم وتصنيفاتهم لهم إشكاليات عديدة لا مجال هنا لذكرها إنما الإشارة لها فقط، غير أني اجزم أن الذين استقروا في البلدان العربية كانت إشكالاتهم محدودة وثانوية، وغير مؤثرة في حياتهم الاجتماعية أو الإبداعية، فالمجتمعات العربية واحدة لا تختلف إلا ببعض الخصوصيات التي لا تؤثر بالجوهر، غير أن الإشكالية الحقيقية عند المهاجرين إلى دول الغرب أو أميركا أو دول آسيا بأممها وثقافاتها ولغاتها المختلفة.

هنا تبرز إشكالية المبدعين وخاصة المنتجين منهم، والذين واصلوا عطاءهم في تلك البلدان، أو الذين ولدوا هناك وظهرت مواهبهم الإبداعية واحتلوا مواقع إبداعية مختلفة الأجناس.

بين الحين والآخر، نكتشف كاتباً أو فناناً، قد ظهر في مكان ما يحمل الدم العربي العراقي، ويكتب بلغة تلك الدولة، أو يقدم فيلماً بلغة أجنبية، أو أنه يمارس فن التشكيل ببعد غربي، أو أن يقود أوركسترا كبيرة، أو أن يكون معمارياً متميزاً، أو رياضياً بتميز، وتتعدد التوصيفات لكن يبقى جذره عراقياً يحن إلى بيته الأول ومسقط رأسه ورفاق صباه والأمثلة كثيرة لا تحصى.

قبل أيام قرأت رواية «فريدة» للكاتب نعيم قطان، روائي يهودي، عراقي، كندي، ولد عام 1928 في بغداد وهاجر إلى إسرائيل ومن ثم إلى كندا عام 1954، وبقى فيها حتى الآن ويترأس منصباً ثقافياً كبيراً في كندا إلى جانب كونه أحد أهم الكتاب الروائيين المعاصرين في العالم.

حينما قرأت رواية فريدة، وجدته يعيش في بغداد وأجوائها وعوالمها وكأنه لم يغادرها، كان ينقلني من الكرادة إلى الصليخ، إلى باب المعظم، فشارع الرشيد، كما كان يعيشني مع شخوص روايته العراقية وكأنهم أحياء بكل تناقضاتهم، أتلمسهم هنا وهناك.

راجعت أسماء عديدة، أعرفها وأعرف إبداعاتها، تنتشر في منافي العالم المختلفة، وسألت نفسي :

كم مبدع خسرناه من خلال مواقف سياستنا المرتجلة والمتعصبة والغبية، أعرف من المبدعين الذين هاجروا إلى بلدان العالم عشرات، وقد خسرهم العراق كمبدعين ومنتجين.. فهل سيخسر العراق المزيد من المبدعين مع كل هذه الظروف السيئة على كافة الأصعدة لتبقى الغربان فقط تنعق على خرائب الدمار الهمجية؟

abdulelah_q@hotmail.com