يعكس الإبداع في لحظات كثيرة حالة التحليق بعيدا باتجاه المخيلة، فالخيال قوة تخص الإنسان تجلت منذ كتابته للأساطير القديمة، وقبعت في ثنايا الكتب الأدبية، من الشعر إلى النثر، فالمخيلة جعلته يحلق، يربط الواقع بما لم يره الإنسان حقيقة لأنه يداعب الخيال فقط، وحين ينتقل من شخص لآخر، فإنه يُتخيل من جديد، يصاغ ويعاد تركيبه.
فالمخيلة تخص كل إنسان على حدة، يدربها كما يريد، وإن علمها أن تنطلق وتتحرر، عليه أن يتعلم أن يتحكم بها فيما بعد، فالإنسان المصاب بعقدة الاضطهاد، أو الغيرة، لا يرى إلا ناحية واحدة من قوة خياله، كما أن الإنسان المستمر في التحديق بعيدا باتجاه المخيلة ربما يصطدم بفكرة ما قد تسيء له، فمن الخيال ما يجب أن يستبعد أو يهذب.
وتظهر قوة الخيال عندما تتجسد عبر الوسيط الإبداعي، فيقدم المرء ما يراه، بعيدا عن الموجود، فالبحر برؤية فنان ربما يكون أحمر، ولم لا ما دامت اللوحة تقدم فكرة لونية جديدة، حتى أن التجريد حرر الشكل من التجسيد المطلق، إنه رؤية لخيال مفتوح على كل الأشكال والألوان، وعند الاستعانة بأية وسيلة إبداعية يأتي الخيال مشوها إن لم يقدم بحرفية، فالكلمات تأمل فيها صاحبها كثيرا، أخذته بعيدا، سار وراءها أو ابتعد عنها، ولكل تجربته فهناك كلمات تتلاشى قبل أن تصبح جسدا للمادة الأدبية، لم يقتنع بها الكاتب أو رآها لا توصل مخيلته بسهولة للناس.
والمخيلة ممكن أن تكون فردية، ويمكن أن تخص شعوبا بأكملها، فالمهابهارتا ملحمة هندية شبيهة بالملاحم اليونانية، وفيها من الخيال ما لا يملكه بشر ولا يصدقه عقل إنسان عاصر التكنولوجيا التي بدورها أثارت المخيلة لإنتاج أفلام مبنية على فكرة الخيال العلمي، أو إصدار روايات، أو رسم لوحات ربما تكون لأشخاص مصنوعين من الخيال، بل يتساءل الإنسان أحيانا حين يرى « ريبوت » يقوم بالكثير من المهام، إلى أي مدى يشبه رجال الفضاء الذين قرأ عنهم في مكان ما ؟
إنها المخيلة المتحررة التي لا تعرف المستحيل، و رغم هذا تقدم مادتها بإقناع، فهي نتاج الفكرة والتأمل والثقافة والطبيعة المحيطة، ولذلك كان لكل مخيلته، إنها الشيء الحقيقي الذي يمارس حريته من خلاله، وحين ينقلها للآخرين لابد أن يعيد تهذيبها،و يصيغها كلمات، ألحانا، ألوانا، صورا، من جديد، فكم فنان رسم من وحي القصص والأساطير، قدمها برؤيته بعد أن أطلق العنان لمخيلته، وكم كاتب جعل من العادي والمألوف في الحياة، غير عادي، فارتقى به خارج الواقع، وخارج الزمن، لذلك كثيرا ما أغفلت المجتمعات عن تقدير مبدعيها، لأنهم سبقوا عصرهم بعصور.
نخلص إلى القول إن المخيلة الحرة، فعل نقي كامل، يصدر عن الروح الساكنة، نحو العالم الخارجي، لينجرف الناس في تياراتها، ويرون ظلامها يتقد نورا، حين تصيغها مخيلتهم من جديد.
