كل المهجوسين بالكتابة ومجالات الإبداع عموما يحفظون مقولة الجاحظ حول الأفكار المطروحة في الطرقات، تلك التي ما على المرء سوى التقاطها، تماما كما يدركون بأن الحكمة ضالة المؤمن عليه بها أنّى وجدها.
والحديث عن الأفكار في حد ذاته فكرة مربكة، والعثور عليها أو ابتكارها في الغالب ليس بالسهولة التي أكدها الجاحظ، ليس لعدم توافرها، بقدر كثافتها وتزاحمها المستفز في الذهن.
ومع ذلك فغالبا ما تستعصي الفكرة على المرء فلا يحتمل نفسه أو من حوله لغيابها، بينما قد يستلذ بقلقه من أجلها فيما لو وجدت، لكن ذلك ربما لن يحول دون بعض النتائج غير المحمودة أحيانا.
يحدثنا التاريخ عن رموز ذهبوا فداء لأفكارهم على مدى العصور، على أيدي المتسيدين في مجتمعاتهم وأصحاب القرار، ثم استفاقت تلك المجتمعات بعد قرون على حقيقة جرائم ارتُكبت بسبب الجهل وتخلف البعض عن مستوى إبداع فرد أو أكثر من عامة شعب من الشعوب، ذلك الذي وجدته الأجيال اللاحقة نقيصة لابد من التبرؤ منه؛ لكونه المتهم الأول والأساس في كثير من أحكام مشددة نُفذت على كثير من رواد الفكر النير، وممن سبقوا أزمانهم بابتكارات أودت بكثير منهم إلى ميادين الإعدام بشتى الوسائل.
وإذ تنبهت الأجيال بعد ذلك، فقد قامت بمحاولات للتوبة عما جناه جهابذة العصور السابقة؛ فبدأت بإحياء ذكرى هذا الرمز هنا أو بناء صرح يحمل اسماً آخر هناك، أو تجسيد نموذج يطابق فكرة كان قد طرحها صاحبها ذات عصر سحيق؛ فلم تقدّر في حينها بل جنت عليه كما فعلت سواها بغيره.
إن الأفكار أساسا هي مفاتيح النجاح والفخر؛ لكن ذلك لا يمنع من كون الكثير منها كان ومازال مصدرا من مصادر الإزعاج للإنسان، وسببا هينا ومباشرا لألمه؛ لكن الأشد ألما تلك التي تؤذي صاحبها حتى لو لم تبرح مخيلته.
ومع اختلاف العصور والأزمان اختلفت الاحتياجات، وبالتالي فقد اختلفت طبيعة الأفكار، وأخذت تتمحور حول الذات، أو حول المحيط الضيق للفرد وخاصته، وتقلصت من كونها تبحث في شؤون الإنسانية عامة، إلى أفكار تلهث في شؤون الإنسان وحده، ومن أجله فقط. وبينما عصرنا الحالي هو أحد مولدات الأفكار؛ فيبدو أنه أحد أعدائها أيضا، وأضحى الوقت هو القاضي الوحيد لإصدار العقوبة الفورية والعاجلة على صاحبها.
يدل على ذلك كم ضحايا الدهس، حيث تكون الضحية شاردة مع أفكارها قبيل أن تُصَعِّد روحها إلى السماء؛ عجلات لعربة غاب وعي قائدها بسبب انشغاله هو الآخر بفكرة في رأسه أو أكثر؛ لا تبتعد عن ذلك المحيط الضيق المسؤول عن تأمين احتياجاته.
وكم من حوادث بليغة أودت بكفاءة إنسان وببعض أجزاء من بدنه وذاكرته، وحين يستعيد جزءا منها يتذكر بأنه كان يفكر. وكم عاثر انكب على وجهه ليس لأنه تعثر بالأفكار المطروحة في الطريق، وإنما بسبب ملا حقته لجدول الأفكار والمهام في رأسه، فلا يكاد يحصيها أو يدركها ؛ لأنها تتسابق في ذهنه بينما يجاريها اللاوعي على قدميه بلا جدوى، وحين ينهض يتذكر أنه كان يفكر.
قد تكون الأفكار ثقيلة على الكاهل، ومرهقة حين تثير عواصفها في أذهاننا المكتظة؛ فتعيق حركتنا أو تشلها، ثم توشك أن تسحقنا تحت أقدامنا الهابطة مرة والصاعدة مرات. فهل يحق الأمل في من يبرر زحمة الأفكار، أو بمن يجبر عثرات الكرام!
