يقول أحد النقاد التشكيليين: «عندما تدخل محراب الفن دع فلسفتك على الباب فالفنان التشكيلي شأنه شأن الشاعر والموسيقي، شأن الفيلسوف ذاته، يعلق محفوظاته وينساها، عندما يُكون عالمه، عالما فريدا في جنسه، هو وحده الذي يمنحه هويته».
والفن باتجاهاته المختلفة والمتعددة التي يمنحها للمشاهد، يُجمع سنويا في المعرض الوطني للفنون التشكيلية، الذي يقام في نادي ضباط القوات المسلحة، والذي رسم إيقاع وجوده على ساحة الفعاليات الفنية المحلية. فخلال دوراته الثلاث الماضية حقق نجاحا كبيرا، من ناحية التنظيم واستقطاب العديد من الأسماء الفنية اللامعة، وتبنيه للعديد من التجارب الواعدة.
ومن بين أروقته تطل اللوحات التي رسمت باستخدام ألوان مختلفة زيتية أحيانا، مائية ربما، وأكرليك، أو أحبار نادرا. وباختلاف الألوان اختلفت الموضوعات واختلفت الأساليب الفنية، لتمثل الواقعية والتجريد والسريالية، وغيرها من اتجاهات.
ويجاور اللوحات منحوتات تطل بخجل، فالماضي الفني، يدل كما الآن على أن الذين اشتغلوا بتجربة النحت قلائل بالقياس مع عدد الذين رسموا اللوحات، علما أن النحاتين اتبعوا كما الرسامين، أساليب مختلفة، فهنا منحوتة تبرز ثناياها وانحناءاتها التفاصيل الواقعية، بينما تحررت غيرها من المنحوتات من التفاصيل متجهة إلى الأساليب الحديثة، في حين أفرزت التقنيات العصرية فن التصوير الضوئي، وهو ما لم يغفل عنه المعرض.
والتشكيل لم يكن كل شيء، فالتنوع طغى على أجنحة المعرض، ومنحه تعددية ترصد ما يميز الدولة من تاريخ من خلال الجناح الخاص بصور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله» مؤسس الدولة، وجناح مركز الوثائق والبحوث، وجناح المتحف العسكري، وجناح المقتنيات الذي يعرض لمجموعة من الأدوات التي استخدمت في الخليج العربي، ومقتنيات أخرى أضفى إليها الزمن قيمة مضاعفة، لأنها نادرة الوجود، وربما لا يوجد غيرها في العالم.
كل ما ذكرناه كان حصيلة لدورات ثلاث ماضية، لكن هذه الدورة التي ستقام في وقتها المعتاد من السنة، وهو بداية شهر رمضان المبارك، تتميز إضافة إلى ما يقدم، بتكريم فنان محلي أثرى الساحة التشكيلية وساهم في تطورها، وستكون البداية مع الفنان عبد القادر الريس الذي حكت لوحاته تاريخ الإمارات مما يدل على أن الفنان ابن بيئته يتأثر بها،
وتؤثر به تمنحه جمالها ليتألق فنا، على سطوح أقمشته، أبواب، وسفن، وأشجار نخيل، وبراجيل، وغيرها من مفردات التراث، التي ميزت الدولة، وتبقى لمسات الفنان وألوانه هي ما تميزه، ينقل الطبيعة كما يراها، لا كما تكون وهكذا لا يكون الفنان ناقلا حرفيا لما يشاهده، هذا ما سيلمسه المشاهد في الدورة الرابعة،
التي تظهر مع غيرها من الفعاليات عن احتلال الفن لمكانته الحقيقية، وانتشاره بين فئات المجتمع، وهذا ما بحث عنه الفنانون كثيرا، مع الإشارة إلى أن الناس تتذوق الفن بالفطرة، لأنه يلازمها في كل الموجودات التي يستخدمها في حياته اليومية.