ولد مرة في قرية الشجرة مسقط رأسه بالجليل بين طبرية والناصرة في فلسطين، ومرة في المنفى موطئ قدمه حين استضافه الاسكافي صديق والده، فمكث تحت أشجار التين شهرين في لبنان، ثم ولد مرة وكان في العاشرة من عمره..

تعرفه من ذاكرة العشب والحجر والظل والنور الثابت في محجر عينيه، ومن قميصه المرقع، وشعره القنفذي المشبوب بالدخان والرماد؛ كثير الحركة يواجه الناس ويحمل الكلاشينكوف، يناقش باللغة العربية والانجليزية، ويلعب الكاراتيه.. يصرخ ويؤذن..

يحمل الحجارة، ويرجم بها العدو؛ هكذا عرّفَنا رسامُ الكاريكاتير المبدع ناجي العلي بحنظلة الصبي المر والمستمر.. قبل أن يكتِّف يديه خلف ظهره بغضب احتجاجي، ويمتنع مع سبق الإصرار عن أية مساهمة متواطئة تطيل مأساة الشعب الفلسطيني، وتزيد عليه الظلم المستبد.

إن ذلك الموعود بتجارب الميلاد هو أكثر من قارب تجارب الموت أيضا، كما إنه أكثر من اشترك بقواسم مع الشجرة؛ وأكثر من عرفته المفارقات حتى لتنفي فكرة المصادفة، وكأن المفارقات قواسم تختار رموزها.. تنتقيهم تبلورهم تحنو عليهم تدفئهم في عيونها، ثم ترميهم إلى أتون المقايضة الدامية، ليموتوا واقفين كما تموت الأشجار.

وكالأشجار المباركة الطيبة أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء تحل الذكرى الثابتة لوفاة ناجي العلي الذي اغتالته رصاصات الخوف المتقرصة بالبرودة وهي مرتجفة، رصاصات أبدت رفضها المتردد في القضاء عليه، حين أطلقت ذات نهار في 22 من يوليو من العام 1987 ميلادي، ثم استسلمت للإجهاز عليه بعد 38 يوما، أي في 29 من شهر أغسطس.

اغتيل ناجي لأنه دعا إلى اغتيال المثل القائل (شيئان في الحياة لا أحد يعرف بهما؛ موت الفقير وفساد الغني) ولأنه (... لا ينتقم بقدر ما يشكك، ودائما يتصبب أعداء) كما قال عنه محمود درويش، ولأن (...ريشته بمثابة سلاح فتاك، ما اضطر أعداؤه لاستخدام السلاح الناري لإسقاط تلك الريشة) كما قال عنه الفنان مصطفى حسين.

ولأنه قد راهن بحياته على العدالة. ولأنه أوضح من أعلن أن كل فرد هو جزء من أزمة الأمة العربية، ولأنه أجرأ من أفصح بأن العرب جميعا مطلوبون بطريقة ما وبمكان ما، وأن من يتصورون أنهم أحرار هم في الواقع نزلاء سجن كبير، وعبر عن مصير كل منهم في تجربة المرايا ثلاثية اللوحات؛

فالفرد إما أن يُدخَل قسراً في قائمة المطلوب حياً أو ميتاً، وإما أن يُدخَل عنوة في قائمة المعتقلين، وإما أن يُدخَل قسراً في قائمة الشهداء، و كان هو من السباقين للدخول في قائمة اللوحة الثالثة بريشته وقد كانت هي الهدف؛ بينما القتلة لم يدركوا أنها هدف بلا راية بيضاء.

لكن حنظلة لم يغتل، ولم تفلح أداة الموت من الاقتراب منه، ولم تنجح في اعتقاله أو نفيه. ونجا.. ليؤكد على حدس الشهيد (حنظلة الذي ابتدعته لن ينتهي بعدي... إنني قد أستمر به بعد موتي) واستمر.. (رمز الطفل الفلسطيني الذي تطور فأصبح له أنف قومي، ثم أفق كوني إنساني) كما أراد له ناجي.

ففي كل يوم يولد ألف ألف حنظلة، نحبه ونحمله أيقونة للأمل والحلم. المجد لحنظلة الماثل في وجودنا المر، وإذ نرى ظهره فلأننا نحن الذين وراءه في الخلف.. بينما هو.. هو من ينظر إلى الأمام ماضياً قدماً إليه.

falhudaidi@albayan.ae