كان قد سألنا أستاذ اللغة الانجليزية بكلية ديفيد جيم البريطانية.. هل تعرفون (هيفا أين؟) هكذا لفظها ومن دون مقدمات، ولأن الفصل لا يحوي طالبة بهذا الاسم فقد فشلنا في الإجابة؛ على الرغم من أنه خصني بالسؤال وتعجب حين أجبته بسؤال لعله يساعد في استيعابي سؤاله أولاً؛ لكنه تجاهل ذلك وطلب أن ننسى الموضوع.
ونستعد للرحلة العلمية لأحد متاحف لندن، واستقلينا مترو الأنفاق وفيه لمحته يهمس لزميلتنا الكازاخستانية عايدة بأن (هيفا في إسرائيل) وأخذ يحدثها بفخر وزهو عن أطيب برتقال على وجه الأرض وهو برتقال هيفا، عندها فقط أدركت أنه يرمي إلى حيفا فتدخلت على الفور وأجبته عن موقعها في فلسطين، لكنه اكتفى بأن رمقني بنظرة صفراء ذات مغزى إذ حال دون رده ضجيج عربة المترو.
تذكرت هذا الموقف على إثر الضجة التي أثارتها زيارة شاعر الثورة الفلسطينية محمود درويش لحيفا بعد 35 عاماً وإحيائه لأمسية شعرية على جبل الكرمل، وكيف انقسم المثقفون والأدباء والكُتّاب العرب وحتى الناس العاديون حول هذه الزيارة، بين مؤيد لها ومبرر، وبين معارض ومنتقد.
ومن المعروف أن درويش ابن قرية البروة في الجليل قد غادر مسقط رأسه مع عائلته مضطراً منذ العام 1948، لكنه عاد متسللاً حتى أكمل تعليمه الثانوي، ثم جرى عليه ما جرى على كل الفلسطينيين من الاعتقال والإبعاد ولو بنسب مختلفة.
وكان شعره أكثر حظاً منه حيث عاد إلى أرضه وبلده وجال في كل قرى فلسطين واستقر في قلوب سكانها الذين تمكنوا من الصمود، كما شدت به جموع من الجماهير العربية، لخصوصيته وتجدده وعمقه.
عاد درويش بعدما تجاوز حسب تعبيره قضايا الوطن والاحتلال.. وعاد ليجرد الإنسان من ظرف المكان! فهل سلم بعدما باع الوهم الجميل للناس على مدى عقود، وبعدما بنا لهم وطناً من الكلمات، مكتفياً بكونه شاعراً وليس سياسياً كما كان ذات فترة وهو عضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى استقالته الاحتجاجية في العام 1993؟
يقال (السياسي يبحث عن الممكن أما الشاعر فإنه يبحث عن الحلم) أليس هذا ما قام به درويش؟!
وهل يستكثر على الشاعر أن يعود إلى منهله الحميم محملاً بأثقال من الحنين والظمأ، كأنها أوزار؛ فكيف إذا كان المنهل وطنه السليب، وأرض البرتقال التي حرم حتى من عبيرها بينما يستمتع بها الغرباء متشدقين كما لو كانت حقهم المتوارث؟!
فلعلها قد نضبت قريحته، أو لعلها كلت أصابعه فعاد يشحذها ويزودها من منبعها الأصلي بحرائق من الحروف توقد ما تبقى لديه من حلم؟!
يخوض المرء معركة التغيير بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، أو بقلبه وذلك أضعف الإيمان؛ فهل من سبيل اليوم سوى القلب بعدما ضاق المكان، وتحول النضال فيه ضد المحتل إلى نضال بين الأهل؟! وليتحول الأمل إلى يأس وضياع، يلغي الأمكنة وهي أساس عقيدة الإيمان بالكفاح.
وجراء ما يحدث بالأمة العربية اليوم؛ فإن كثيراً من أبنائها بدأوا يرون أن يومهم أفضل من الغد، فكيف بأبناء وطن محتل؟!
وان يضيع المكان فهل يبقى سوى الحلم؟! أو لعله يغدو هو أيضاً مستحيلاً؟!
