الوحدة، من وجهة نظري، ألد أعداء المرء. على خلاف الجوع والظمأ والمرض التي ترغمنا على التصرف على نحو معين عندما تؤثر فينا، والوحدة تتخفى عادة تحت قناع هالة الفضيلة ونكران زهدي للذات. ولكني اليوم وحيد لأنني اخترت أن أبقى وحيداً.
وهذا يوم مميز بالنسبة إلي، أتجول في أجواء الخريف الأوروبي الناعم، أمشي في طريق واسع، وأمر بأناس يتحدثون عن الأرواح أو أسواق التبغ. أمشي بمحاذاة ليشبونة، وأتسلق قلعة القديس جورج، وأتأمل نهر تاغوس والمحيط الأطلسي، وأحاول ألا أفكر بأي شيء آخر.
خلال برهة قصيرة ستشرق الشمس في البرازيل، وستفتح المكتبات أبوابها، وللمرة الأولى سيكون كتابي الجديد بين يدي القارئ. قد يتخيل المرء أنني بعد إصدار عناوين كثيرة، فإنني قد اعتدت على الوضع. ولكنني لست كذلك، ولله الحمد. ما زلت أشعر بالإثارة والحماسة ذاتيهما كما كنت أفعل عندما نشرت «مذكرات ماغوس» قبل عشرين عاماً.
أخرجت كراستي من جيبي وبدأت أدون: إلى جانب كوني متحمساً، هل أشعر بالخوف أيضاً؟ توقفت، واستمعت إلى صرير الريح في الأشجار، وفكرت هنيهة ثم كتبت: «لا لست خائفاً». ففي هذه اللحظة يخالطني شعور بأني أم تضع وليدها وأب يتقبل أخيراً بأن ابنته تغادر المنزل لتعيش مع صديقها.
(هل أفكر كيف سيتفاعل القارئ مع ذلك؟) دونت ذلك على كراستي على عجالة. أستمع مجدداً إلى الرياح، وتأتيني الإجابة: نعم، بالطبع! وفي نهاية الأمر قمت بوضع أفضل ما لدي هناك، ومثل أي شخص آخر أود أن يدرك الآخرون حبي. قال صوفي دومينيكاني عظيم في القرن الرابع عشر يُعرف باسم ماستر إيكهارت ذات مرة: «أنا إنسان، ومن الطبيعة البشرية أن أشارك هذا مع الآخرين».
كل ما نظرت إليه، ورأيته وشعرت به خلال ترحالي من الفندق إلى هذه القلعة هي محاولات لمشاركة القليل من آراء حياتنا. إن قرميد واجهات المنازل، والتصاميم في كاتيدرائية ماري ميجر المقدسة، وصمت الناس أثناء تلاوتهم الصلاة، والرجل يعزف الأكورديون في شارع شديد التحدر، في مشهد غريب عن كل ما يدور حوله. يحاول جميع حرفيي الماضي والحاضر القول: هذا ما أفكر به، هذا ما أنا عليه.
قبل خمسة أيام، حل الخريف في أوروبا، على الرغم من أن الجو لا يزال دافئاً. ولكن الشتاء قادم وقد يكون البرد قاسياً، والأشجار المحمّلة في هذه الأثناء بالأوراق ستتحسر بحزن عندما تتساقط. ربما تقول «لا نعود كما كنا مجدداً على الإطلاق».
وإلا، ماذا ستكون نقطة التجديد؟ إن الأوراق التالية سيكون لديها شخصيتها الخاصة بها، ستنتمي إلى صيف جديد مقبل لن يكون مثل الصيف الذي سبقه. إن الحياة هي التغيير ـ ذلك هو الدرس الذي تعلمنا إياه المواسم. وأنا تغيرت أيضاً بفعل الأوراق الجديدة من كل كتاب جديد.
هل سيكون من الغطرسة في شيء القول إنني لست بحاجة إلى أن أبرهن أي شيء لنفسي؟ قد لا يكون الأمر غطرسة، ولكنه بلا ريب حماقة. على الرغم من أنه لدي قصة أحكيها لأحفادي، إن كانت لدي قصص أصلاً، فإن كل من يعتمد على النجاحات السابقة قد افتقد معنى الحياة.
أتأمل مجدداً نهر تاغوس وأتذكر بعض الأسطر التي خطها الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسووا: «يحملك نهر تاغوس إلى العالم. وأحد لم يفكر بما يكمن وراء النهر في قريتي. فالنهر الذي يجري في قريتي لا يجعلك تفكر بأي شيء، وعندما تقف بالقرب منه، فإنك تقف بالقرب منه فحسب».
هذه هي السويعات الأخيرة التي يكون فيها النهر في قريتي ـ أي كتابي الجديد ـ ملكاً لي وحدي. وسأحاول أن أقف بالقرب منه، من دون التفكير بأي شيء، فقط أنظر إلى ليشبونة، واستمع إلى الأجراس، والكلاب، وصيحات الطريق، والأطفال يضحكون والسياح يتجاذبون أطراف الحديث. أنا كالطفل، ولست أخجل من حماستي المفرطة. وابتهل إلى الرب أن يبقيني كما أنا.
ترجمة: كوثر علي