قرر المخرج السينمائي الراحل لويس بونويل كتابة مذكراته، بعد أن لمس نسيان والدته المتكرر، وهنا كان لابد كما قال: أن يكتب قبل أن يصل إلى مرحلتها المتقدمة في النسيان. واعترف بونويل في مقدمة مذكراته بأنه ربما يكون قد نسي بعض الأحداث، أو قام بتعديل بعضها الآخر، وكان جريئا عندما قال:« ربما أكذب أحيانا لكن عليكم أن تعذروني فهذا أنا».
وضع بونويل في عبارته الأخيرة يده على الحقيقة التي أشار إليها الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الذي قال: إنه لا يمكن لكاتب المذكرات أن يكتب في الوقت الحالي عن أحداث مرت، دون أن يضفي عليها بعضا من مشاعره الآنية.
لذلك لا يمكن أن ننشد الحقيقة الكاملة حين نقرأ مذكرات أحد مشاهير العلم أو الفن، أو الأدب، أو السياسية. ونكتفي أن نبحث عن قيمة ما وتجربة ما لغنى هذه الشخصية، بعيدا عن الخوض في التفاصيل الخاصة بالكاتب، فقيمة مذكرات بونويل تأتي من لقائه بمشاهير عصره، وسرده لتجربته السريالية في السينما.
والوضع نفسه بالنسبة لفرانسواز جيلو التي أصدرت كتابا بعنوان « حياتي مع بيكاسو » إذ لا يخفى على أحد تجربة بيكاسو الفنية التي تصدرت تجارب القرن العشرين ومن خلاله يمكن معرفة تقاليد عمل بيكاسو الفنية، مزاجه، وأصدقائه الذين ردد الناس أسماءهم قبل أن تردده جيلو في مذكراتها أمثال الفنان «براك» وغيره.
وهنا تبقى الكتابة التي تنقلها جيلو مهمة مثل تفسير أي ناقد تناول تجربة بيكاسو لأنها تنقل صورة حية عن حياته الفنية قبل الشخصية، خلال فترة عشرتها له، بل وإنجابها طفلين منه. ويبقى البحث في الحياة الشخصية الدقيقة غير مهم، مقابل ما يقدمه الكاتب من معلومات، فالشاعر بابلو نيرودا تناول في مذكراته علاقته مع الشاعر الإسباني لوركا، إلى جانب اتجاهاته الفكرية والسياسية ورموزها في ذلك العصر.
بينما تجلت فلسفة ورؤية الكاتب اليوناني «نيكوس كازنتزاكيس» في مذكراته تقرير إلى غريغو «ومن خلالها لا يخفى على القارئ كيف استوحى الكاتب من أحداث حياته ونقلها بصيغة جديدة إلى الكثير من الروايات التي كتبها، وهذا ما يؤكد أن الكاتب لا ينفصل عما يكتبه. مع التنويه أن كازنتزاكيس كتب مذكراته بلغته الأدبية التي ميزت روايته، ويمكن الاستمتاع بها بشكل منفصل على أنها لا تخصه تحديدا.
والمذكرات التي يكتبها المشاهير وبالأخص السياسية، ينتظرها الناس في الكثير من الأحيان، وهنا قد تنشر للبعض، ويمنع آخرون من نشرها لأنها تفضح الكثير من الأسرار، وهكذا يبقى الجانب المخفي هو الأهم، والأهم ربما بالنسبة لمبدع لم يخض غمار السياسة، إذ عليه أن يظهر ذلك الجانب الأخلاقي، والمثالي في حياته، فيخفي ما يشاء ويظهر ما يشاء، لم لا طالما لديه القدرة على خلق عالم جديد، عند كتابته أي نص إبداعي؟ فكيف لا يعيد صياغة حياته ويقدمها إلى الناس من جديد؟ .
