يحفل التاريخ الإنساني بالعديد من قصص النجاح المثيرة للإعجاب، وأكثر هذه القصص صار مضرباً للمثل، لما خلفته من دهشة نظراً لشدة بساطة الفكرة في الأصل وما أسفرت عنه بعد ذلك من مشروعات عملاقة، على الصعيد الإبداعي أو الفني أو الاقتصادي، علماً أن أكثر هذه الأفكار بدت متواضعة في نظر البعض حينها.

قد تقتحم الفكرة الواحدة أكثر من ذهن بشري في الوقت نفسه؛ وتبقى العبرة في من يمتلك روح المبادأة الأولى لترجمتها ولو في شكل بدائي، ثم العمل على تطويرها، إلى جانب امتلاكه لمساحة جيدة من الصبر على انتظار النتائج، وهناك من يفضل تمحيص الفكرة وغربلتها ووضع أكثر من اقتراح لتنفيذها بهدف إحراز أقصى فائدة ممكنة قبل الشروع بطرحها، أما من يؤمن بضرورة أن تولد الأفكار كبيرة لأنها تبقى كذلك، فيستند على حسابات مختلفة يقيس بها مدى النجاح، وغالباً ما يتمهل في الجانب العملي من الفكرة.

وتبقى العبرة كما يقال في النتائج أو في الخواتيم، والشواهد على ذلك كثيرة، وأكثر تجارب النجاح في الحياة تولدت من فكرة صغيرة، فنمت وتعملقت حتى صارت مشروعاً لافتاً يستشهد به كأنموذج، ويأخذنا الكلام من الأفكار الصغيرة إلى مهرجان دبي لمسرح الشباب، كأحدث الأفكار المنفذة على الساحة المحلية مؤخراً.

وهو المشروع الذي تشكلت ملامحه قبل ثلاث سنوات من خلال فكرة قامت على عمل ورشة مسرحية، ثم تبلورت الفكرة لتتسع وتنطلق عبر دورات أكثر شمولية في التعريف بمبادئ المسرح، وفي فترة وجيزة تنامت الفكرة من ورشة متخصصة، ثم مجموعة دورات إلى إنتاج مجموعة من الأعمال المسرحية التي حجزت لها مساحة (زمكانية) للمشاركة المحلية بل والعربية أيضاً.

ومما لا شك فيه أن الفكرة قد تزودت بذخيرة من تجارب المسرح الإماراتي، وغيره من المؤسسات التي تهتم بالجانب التنويري في الإنسان. ويدرك المرء أن المسرح من أهم منابر تشكيل الوعي، ويحسب لمجلس دبي الثقافي احتضانه لهذا المنبر وتبنيه المشروع الشبابي الشاب، كما يحمد له العمل بسخاء على تأسيس قاعدة جوهرية لا تزال الساحة تتعطش إليها، من دون تجاهل وجود معهد الشارقة للفنون المسرحية.

لكن يبقى التوجه إلى استقطاب طاقات الشباب خاصة هو المطلب الأزلي الأكثر إلحاحاً وإلى الأبد.

وجل ما يتمناه المرء هو النجاح في تحقيق مجمل الأهداف الواردة ضمن اللائحة التنظيمية لمهرجان دبي لمسرح الشباب، كأهداف مبدئية وأساسية، كما يرجو ألا ينعطف المشروع يوماً عن مساره؛ فلا يحاذي خط التوعية والتنوير المرسوم له، ولا يتقاطع حتى معه!

وفي مثل هذه التجارب قد يبدو الطلب من المولى عز وجل مشروعاً؛ بأن يسد المنافذ أمام البعض من الدخلاء والمدعين ممن يجدون في هذه الأجواء فرصاً للتجديف حسب أهوائهم بينما هم (خالين الفكر).

falhudaidi@albayan.ae