بات من السهل جداً في زمننا هذا، إطلاق ألقاب مثل (شاعر أو فنان تشكيلي أو مسرحي) على أشخاص بعضهم يستحقها وبعضهم يتطفل عليها، بينما يترددون في إطلاق لقب أو مسمى (روائي)، ليس لشيء، إلا لأن المغامرين في مجال كتابة الرواية قلائل، باعتبار الرواية تتطلب الكثير من التفرغ والتمرس والجهد، وبمقدورها الكشف عن الإمكانيات الحقيقية للأديب، دون التستر وراء المراوغات الكلامية، والتأويلات التي تحتملها المسميات الأخرى.
إن ما يحدث في زمننا لا يعكس التسلسل الحضاري للتطور الإبداعي، فعلى مر العصور، وعندما كان يخلد التاريخ أسماء إبداعية، لم تكن تخرج تلك الأسماء عن جلال التصنيف، فالشاعر شاعر بحق، والتشكيلي يتنفس ألواناَ، والموسيقي تهجس دقائق حياته بالنغم.
إن ما نشهده في عصرنا، من أسماء تحمل ألقاباً أكبر من مقاسات أصحابها، تبذل (الغالي والنفيس) للتأكيد على وجودها، أمر يستحق التأمل. ونحن هنا لسنا ضد إصدار شاعر ما لمجموعة أشعاره، لكننا ضد أن يدخل في متاهة التفسيرات حين يواجه بالنقد، دفاعا عن نثره أو تفعيلته. والحال ليس أفضل مع فئة الفنانين التشكيليين.
حيث تساهم مجرد لوحة تجريدية في تصنيف أحدهم في فئة الفنانين والرسامين، دون أن تكون تجربته قد اختمرت أو صقلت، ويصر على الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة أخرى دون أن يعلم أن الفنانين الذين انتقلوا إلى التجريد، أو السريالية، أو التكعيبية كانوا قد تشبعوا بالواقعية، ليقدموا من بعدها رؤيتهم الخاصة، وهذا ما يميز بين رؤية فنان تجريدي متمكن من أدواته، وفنان آخر ما زال في طور التجريب.
إن ما يحز في النفس، أن الأمور لا تتوقف عند حدود التجريد، بل تتعداه إلى تقديم بعض النفايات على أساس أنها عمل فني، ولم يسأل هذا الفنان أو ذاك نفسه، كيف ستحفظ الأيام أعماله، أم أن هناك خطة، كما يشاع، لإفراغ المتاحف والأوابد من محتواها الحقيقي، لصالح ما يسمى بالحداثة.
والمجال الموسيقي غير بعيد عن الانتحال والفوضى، البعض يقدم موسيقى ليست له لكنه يعزفها على أنها من إبداعه، والبعض يسرق مقاطع موسيقية في وضح النهار بحجة توارد الأفكار، ويشجع على هذا التصرف غياب المسائلين والمحاسبين، لكن الخطورة تكمن في تبني بعض الجهات المعنية مثل هذه الأعمال، بل وتروج لها في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ويتحول التنافس من تنافس بين الأصيلين إلى تنافس بين (مبدعين) لم يدخلوا التصنيف بعد، وكثرة الإلحاح الإعلامي يساهم في إسدال الستار على المبدعين الحقيقيين، ويتم مسحهم من ذاكرة الناشئة، الذين سيعتقدون أن ما يروج له هو الحقيقي، دون مراعاة لطبيعة الخيارات.
إنها فوضى تعكس القلق الذي يحيط الناس من كل الجهات، لا تشجع على التأمل. وبالتالي على الإبداع الحقيقي، ورواج كل ما يقدم يشجع المتطفلين على اقتحام الأنواع الأدبية والفنية، فمن المعني في عصر الفوضى، بإعادة التصنيف، أو الاعتراف ببعض التجارب واستبعاد الأخرى؟
ونهاية القول يكمن في قناعتنا، أن العمل الإبداعي الحقيقي هو الذي يبقى..
