ينظر كثير من الشعراء والكتاب والصحافيين وحتى السياسيين إلى المدن كما ينظرون إلى النساء، ولذلك فقد تم تشبيه المدن بهن؛ حيث تتوفر من صفاتهن في مدن عن غيرها.
والحديث عن هذا التشبيه أو التشابه يجعلنا نتذكر مدنا تلفت النظر من بعد، ومدنا تدهش الناظر من الإطلالة الأولى، كما أن مدنا تستفز الزائر، وأخرى ترفضه حتى يجد نفسه على أول رحلة طيران في اتجاه العودة إلى بلده، أو المغادرة إلى مدينة أخرى.
هناك مدن تستقبلك بابتسامة كما لو كانت سيدة منزل مكتنزة بالحنان ترحب بك من عند عتبة دارها، وقد أنهت للتو تحضير الخبز الساخن وإعداد القهوة اللذيذة. كما أن هناك مدناً تستقبلك بصخب الحياة المزركشة، والأضواء الكاشفة كما لو كانت غانية توظف كل طاقتها في الإبهار لتغويك وتوقع بك.
بعض المدن لها خصوصيات ميزتها عن سواها وزكتها بألقاب اقترنت بأسمائها، كاليمن السعيد وحلب الشهباء وقاهرة المعز و أم الدنيا مصر، وبيروت ست الدنيا، وذلك لخصوصيتها الحضارية والتاريخية والعمرانية، أو لِسِمات من الحداثة والعصرية. مدن أخرى انتفضت على المظاهر التقليدية، وانطلقت لتشكل لها شخصية عصرية حديثة، قانونها الانفتاح والتجدد من أجل التميز.
ولعل دبي أكثر المدن التي تحتار الألقاب فيها لكثرة صفاتها المبهرة، وقد وصفت بدانة الخليج وبلؤلؤة الخليج وبالمدينة المدهشة وغيرها، لتصبح بذلك المدينة صاحبة أكثر الألقاب.
ومن المدن والدول ما اشتهرت بالعطور والأزياء كفرنسا، وما اشتهرت بالصناعات الثقيلة والاكتشافات العلمية كأميركا وألمانيا وبريطانيا، ومن اشتهرت بالثروات والجمال وهي أغلب مدن دول الشرق الأوسط، والعربية خاصة، ومن اشتهرت بالتوابل والأساطير كالهند، ومن اشتهرت بالصناعات الالكترونية الدقيقة وغيرها كاليابان ودول شرق آسيا.
إن هناك مدناً تأسر زوارها، و مدناً أخرى يدمن المرء عليها من شدة الإعجاب بها، وهناك مدن تفرض احترامها فتوقعك في فخ هواها، فتبقى قبلة الارتحال، والخيار الأول لأغلب الأسباب.
ولأن المدن كالنساء فهل يمكن القول ان ما يؤثر في هذه هو نفسه يؤثر في تلك؟! إن أشد ما يضر بالأنثى هو أن تحاصر بالشائعات التي تطال سمعتها، ترى هل تتأذى المدن إذا تم المساس بسمعتها هي الأخرى؟!
وفي إطار الحديث عن مشاهير المدن تفرض بانكوك العاصمة التايلاندية ذكرها لكونها المدينة التي اشتهرت بالسمعة السيئة، وربما لم توصم مدينة بما وصمت به هذه من سوء الصيت، علما أنها ليست المدينة الأولى ولا الوحيدة التي يحدث فيها من ممارسات اتفقت كل المعتقدات والأمم على تحريمها ومكافحتها على مر العصور؛ لكنها لم تتمكن من القضاء عليها.
وفي هذا السياق لابد من كلمة في حق مدينة عرفت بسوء السمعة، ولكأنها بلا أية فضيلة، وقد يتصور المرء أن هذه المدينة ليس لها حسنة يمكن ذكرها. وعلى الرغم مما قيل وما قد يقال فيها؛ إلا أنها مدينة ذات ملامح تشبه باقي المدن؛ حتى تلك التي ترتفع المآذن في أرجائها، إذ لم يسمع المرء قط أذانا في بلد أجنبي؛ بل يدين بالبوذية .
كما حدث ويحدث في بانكوك حيث يُرفع الأذان خمس مرات في اليوم، مع كل فرض للصلاة، وتنتصب المساجد على جانبي الشوارع في الأماكن الحيوية والبارزة، وتحظى نساؤها بالحرية المطلقة في ارتداء الزي الإسلامي الشرعي، ويضعن الحجاب بلا أية مضايقة أو استهجان أو ممانعة.
