لطالما كان مصير اللغة العربية محورا للبحث والنقاش، ومن ثم التحذير من السبيل الذي قد يؤدي بها إلى الضياع. ولطالما كانت اللغة الأم مثارا للشكوى والقلق على مستقبلها في أرضها، وكم تنامت الصيحات من أجل الاهتمام بها والحفاظ على قيمتها، أو على الأقل محاولة رد الاعتبار لها إن لم يكن الإبقاء عليها.

وقد تناولنا قضية اللغة من قبل؛ ليس لأنها هوية منطقنا فحسب، وإنما لتاريخها كلغة للعلم الذي انتشر وساد أرجاء العالم لقرون خلت. وحين كانت المجتمعات ترزح في ظلمات الجهل؛ كانت اللغة العربية منارة لطلاب العلم والمعرفة والحكمة، وكانت طريقا للوعي لكافة الجنسيات والأعراق والانتماءات.

أما اليوم فإن أشد من يتنكر لهذه اللغة هم أبناؤها، وكأنهم يخجلون من التعامل بها؛ بينما يفاخرون بلغة غيرهم، ولا يوجد في العالم من يعكس هذا الموقف من لغته كما يفعل هذا الجيل! ومما لاشك فيه أن قوة اللغة وشدة احترامها دلالة على قوة قومها، وهو الأمر الذي تفتقده الأمة العربية اليوم عما كانت عليه وهي منارة لشعوب الأرض. وعلى ذلك.

فإن السيادة اليوم للغة الانجليزية، حيث يساهم في تعزيزها أفراد ومجتمعات مختلفة، وتعلن قرارات التعامل لصالحها من قبل المسؤولين هنا، مما يضمن تراجع اللغة الأم وتصدر اللغة الغريبة التي غدت لغة العالم، ولكن يبدو أن ذلك التربع على عرش العالم؛ هو إلى حين فقط ، ولعله ليس إلى دوام، في ظل ملامح لغة أخذت تطرح نفسها، وتشق لها طريقا يستوعبها بقبول مبرر، لغة قد لا تستعصي على من يود تعلمها، وقد لا تشهد قاعات امتحاناتها أي حالات رسوب، لكونها اللغة الأقرب إلى الفطرة.

وقد تعم المجتمعات في المستقبل القريب. إنها لغة لا تختص بها جنسية أو قومية بذاتها، وطالما هي كذلك فقد يحق لها أن تصبح لغة العالم. فهي لا تحتاج إلى كلمات ولا مفردات أو حروف.. ولا تدوين. وهناك الآلاف ممن يتقنونها ويفضلون التعامل بها. وها أنا اذ مرة أخرى أنقل هذا المشهد من تايلاند، إذ استغرب المرء من أعداد كبيرة من الناس، وفي أكثر من موقع وهم يتفاهمون بلغة الإشارة، وهي لغة تعتمدها عادة فئة ذوي الاحتياجات الخاصة.

حيث انطلقت وانتشرت من أجلهم، وبذلك فقد تصور المرء بأنه وسط مجموعة من الصم والبكم، بينما الواقع أنه وسط أناس لا يشكون من أية إعاقة في النطق، في حين أن بينهم من يتحدث بلغات أخرى إلى جانب لغته الأصلية، لكن التفاهم بلغة الإشارة أصبح الخيار المفضل للتعامل الذي يقوم به التايلنديون بشكل ظاهر، خاصة في الأماكن الضيقة، أو المغلقة والمكتظة بالناس.

ومنها الأسواق والحافلات وعربات المترو، وأما مبرر هذا الخيار فهو التقليل من تعريض المرء نفسه وغيره لأي عدوى مرضية محتملة، والحد من انتشارها نتيجة تطاير رذاذ التنفس، ووقاية لأنفسهم من ذرات الغبار الملوثة التي تطلقها وتبعثرها حركة السيارات في الشوارع، وهو السبب نفسه الذي أدى إلى ارتداء كمامات تحجب الفم والأنف.

ويأتي اعتماد التايلنديين التعامل بلغة الإشارة لهدف الوقاية من جهة، ومن جهة ثانية فهي وسيلة سهلة لتفاهم البشر. فهل تراه مؤشرا ليوم تكف فيه الألسن عن الكلام، أو لتلاشي اللغات فتتماهى في لغة عالمية واحدة لا يكون اللسان أداتها؟! ربما. وربما لا يكون لمبررات القلق على لغتنا وجود ذلك الحين!

falhudaidi@albayan.ae