للوجوه تعابير تميزها، وعليها ركز الفنانون منذ القدم، عندما جسدوا وجه امرأة أو رجل خلدهم التاريخ قبل أن تخلدهم الأعمال الفنية.

فتقاطيع الوجه لا تحمل إلا بعض العناصر المحدودة، لكن لا نجدها متشابهة عند البشر و ما يزيدها اختلافا الإحساس الذي يطغيه الإنسان على مشاعره، ذلك الشيء الغير ملموس والذي يحاول الفنان أن يبرزه من خلال اللوحة ربما تكون حالة من الحزن أو نظرة كبرياء وما إلى ذلك، وإن لم تكن الشخصية موجودة أمامه كشخصيات الأساطير، يلجأ إلى الخيال، ويرتكز في تخيله على ما برز في ذاكرته من الصفات التي لابد أن ينقلها إلى الشكل ليجسد القوة أو الجمال، وهنا يجسد الفنان ثقافته وفكره وذوقه الجمالي مع فنه.

المتاحف احتوت على الكثير من الوجوه التي تصطدم أو تنسجم مع تخيلنا عن شخصية ما ربما قرأنا عنها قبل أن نجدها فنا، من يرى روائع الفنان ميكيل أنجلو على سقف كنيسة السكستين لابد أن يقول أنه جسد كل ما يمكن للملامح البشرية أن تحمله من تعابير، كان بارعا في خلق حالة عامة للأحداث التي تعبر عنها رسوماته من الطوفان إلى يوم الحساب إلى الكثير من الأحداث الأخرى، وهذا هو الفرق بين ما يبدعه الفنان وبين ما تجسده الكاميرا بلقطة باردة لا علاقة لها بوجه الإنسان إلا في تلك اللحظة، من خلال نظرة مسروقة من الزمن بينما يخلد الفنان شخصياته متشبعة بالتأمل، مستمرة بالخلود.

والفنان لم يكن الوحيد الذي جسد روحانية الإنسان، إنما سعى الكتاب والشعراء إلى استحضار الكثير من المفردات، لتتناسب مع ما يشعر به من تأملات مصدرها جمال الوجه، انفعالاته التي تسيطر على الإنسان، ومن يعود بذاكرته سيستحضر الكثير مما قرأه يوما عن هذه الوجوه أو بعضا من ملامحها يحضرني الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب الذي كان قد قال:

عيناك غابتا نخيل وقت السحر / أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر.

إنه الربط بين الملامح وبين الطبيعة في حالة من التحليق بالخيال، نجح فيها الكثيرون من الشعراء والكتاب على مر العصور، وهو ما ينقل الحديث العادي إلى أدب يحقق وجوده التاريخي، إنه المبدع الذي يعيش تحت وطأة التأمل ليقتنص الفكرة، ويضيف إليها الكثير من ذاته، أو تكون نقطة من نقاط الارتكاز التي يُحملها بما يشأ ليبرز أفكاره.

لكن هل ينجح الفنان أو الكاتب دائما في رصد حدث، أو إبراز ما لا يمكن للوجه التعبير عنه ما نراه يوما على شاشات القناة الفضائية، أو على الصفحات الأولى من الجرائد، يصعب التعبير عنه فما يجري قد لا تناسبه كلامات ولا رسومات لأنه أكبر من الإنسان، على الأقل في الوقت الحالي، لكنه متروك للزمن مفتوح على حالات التأمل للتنازع عليه الكلمات، والحالات الإبداعية الأخرى.

Abeer_younes@hotmail.com