رحلت إلى الأبد عاشقة الليل، شاعرة العرب الكبيرة نازك الملائكة، قبل أسبوع من شقتها بحدائق القبة في القاهرة.
الموت حق .. ولا اعتراض على حكم الله سبحانه وتعالى ..
إذن ما الذي أحزنني وأرقني وأعادني لاستذكار الراحلين قبل نازك، والذين سيرحلون بعدها؟!
ليس من طبع العراقي الهجرة من بلاده، هكذا قرأنا بكتب التاريخ والاجتماع، وهذا ما لمسناه عن واقع معاش، غير أن الربع الأخير من القرن الماضي سجل أول هجرة جماعية في تاريخ العراق بلغت ذروتها في بدايات القرن الحالي.
في طليعة من هاجروا الوطن العربي هم المبدعون على اختلاف الأجناس الأدبية، والفنية، والفكرية، التي ينتمون لها. لأنهم أكثر الناس توقاً للحرية، وأكثرهم تحسساً بالمآسي. وفي صدارة المطلوبين من السلطة لأنهم يشكلون قلقاً، وخطراً كونهم أكثر وعياً وتأثيراً.
ولأنهم الخندق الأول أمام قوى الظلام، والظلم. امتلأت المنافي الممتدة على محيط الكرة الأرضية بعشرات المبدعين العراقيين بل المئات منهم، ولا أريد الحديث عما عانوه، ويعانوه، في ظاهرة لم يشهدها العالم، لا في تاريخه ولا أيامه المعاصرة.
ما يحزنني، ليس لأننا أصبحنا شعباً مهجراً باحثاً عن سماء وأرض وهواء فحسب، بل لأننا لا نجد قبوراً لجثاميننا في وطن ما عادت المقابر آمنة فيه ولا هو يهتم بأبنائه، ومصيرهم، وما حدث ويحدث لهم، وكأنهم لا يشكلون واجهته، ويحملون اسمه، وليسوا من ترابه، ومائه ويعتزون بالإنشاد والانتماء لوطن ليس كالأوطان الأخرى، وطن كل ما فيه يتميز.
مات الجواهري في دمشق.. ودفن قرب السيدة زينب، وحرم العراق من قبر واحد من أعلام الشعر العربي الذي لن يتكرر..
والبياتي سعى للوصول إلى قبره قرب ابن عربي في دمشق ولم يجد له قبراً في مقبرة الشيخ عمر في بغداد..
والسياب مات غريباً على تخوم الخليج.
وقبل أسبوع ماتت رائدة القصيدة الحديثة بعد أن عانت من المرض والغربة والعزلة، ولم تجد لها مسكناً في تراب العراق.
لا أملك إحصائية عن المبدعين الذين دفنوا خارج مدافن العراق، ويبدو أن الأيام المقبلة سيضطر بعض الباحثين العراقيين من التجوال بين عواصم العالم ومدنه بحثاً عن مقابر المبدعين، بعد أن عجز تراب العراق من ضم جثث أبنائه وعشاقه.
أنا لست ناكراً لجميل عواصمنا العربية التي تجمعنا أحياء، وتعتز بأجسادنا بعد الرحيل، فترابها مقدس، وهو رديف لتراب العراق، وامتداد له، غير أن المسألة نفسية، واجتماعية، وأصبحت ظاهرة، فإذا كان البعض منا قد عاش في بلد عربي واحتوته تربة وطن عربي بعد الرحيل فإن آخرين عاشوا غرباء مشردين بالمنافي، وماتوا ودفنوا في منافي الكون دون الإشارة لهم أو معرفة مكان مدافنهم، بل ولم يعلن عن رحيلهم على الرغم من أصواتهم التي ظلت تشدو.
إن ما يحزنني أن وطناً مثل العراق، كان مأوى وملجأ لكل أحرار العالم ومبدعيه منذ قرون، يهجره أهله، ويقاطعهم الوطن حتى بعد رحيلهم. فلا مكان لقبر، ولا عودة للمرفأ، ما دام خفافيش الظلام لا يغتالون الأحياء، والوطن، والأرض فحسب بل ويفجرون المقابر والمنائر، وكل أثر وشاهد حي.
