هل يمكن للمشاريع الثقافية أن تؤسس لمجتمع مثقف بالفعل؟ هذا سؤال يطرح في كل مرة يتم فيها الإعلان عن مشروع ثقافي جديد، بينما يناقش القائمون على هذا المشروع الفائدة المرجوة من هذا المشروع، باعتباره يتطلب الكثير من الجهد إلى جانب ما يرصد له من ميزانية مالية، مع التنويه بأنه يستحق لقب مشروع بجدارة، خاصة عندما يراد منه تحقيق الربح قبل احتمال الخسارة.

والمشاريع الثقافية قد تكتمل أو تتوقف في وقت من الأوقات ولا يمكن استرجاع اسمها إلا من خلال ما نشر عنها مع التساؤل هل كان وراء إيقاف المشروع أسباب فكرية أو مالية، أم أنه لم يحقق المطلوب منه؟ فالمطلوب ربما يكون بعيدا عما ينتظره الناس، إذ كانت نتيجة استطلاع قامت به إحدى الجهات الإعلامية العربية الكبرى أن نسبة 57% من المصوتين لم يرضها النتاج الثقافي والفني العربي، ولم تر فيه ما يعبر عن آمال و آلام الأمة.

وفي ذات الوقت نرى أن بعض البلدان تصدر ثقافتها إلى الخارج في سبيل نشر أفكارها ومعتقداتها، ورغم ما تتكبده من نفقات مالية لكنها توزع الكثير من المراكز الثقافية والفنية في كل أنحاء العالم. ولا يمكن لأي دولة أن تقوم بهذا، إلا بعد اكتمال مشروعها الثقافي، وانتشار مظاهره المختلفة على أرضها.

وإن كان يقال إن بعض المشاريع الثقافية والفنية قد تساهم في إنعاش الاقتصاد والترويج للبلد سياحيا وسياسيا. فهذا لا يحدث إلا ما ندر في بلدان تمتلك الكثير من الآثار التي تعكس حقبا تاريخية، وإن كنا نعلم وللأسف الشديد أن الكثير من سكان هذه البلدان بالأخص العربية منها، ممن تمتلك هذه الآثار والمتاحف لم يزرها أهلها طوال حياتهم.

وإن دل هذا على شيء إنما يدل على انعدام الوعي الثقافي، وهنا لن تنقذهم مشاريع ثقافية، ولا غيرها من أنشطة، فالتفاعل يقرأ على مستويات عدة مثل جمهور الأمسيات الثقافية بأنواعها الشعرية، والفكرية، والأدبية، وكذلك الأمر بالنسبة لجماهير التشكيل، وغيرها من فعاليات تعكس الهوة بين الناس وبين ما يقدم.

فالوعي بتقدير ما تتبناه الدول من فعاليات ومشاريع لا يأتي بين يوم وليلة، لأنه لا ينشأ إلا بالفعل التراكمي مع عدم الإغفال كما قال المفكر جميل مطر في محاضرة ألقاها مؤخرا في المجمع الثقافي «بأن الإصلاح الثقافي لابد أن يرتبط بإصلاح اقتصادي وسياسي».

إن ما يقدم لم يتعد مجرد محاولات للارتقاء بالمشهد الثقافي، في وقت يزداد فيه العزوف عن القراءة بأشكالها الورقية والإلكترونية، وحين يكون الاطلاع على الإنتاج الإنساني مفقودا، فمن أين سيتفاعل الناس مع الثقافة ومشاريعها، وإن تفاعل ممن لا تهمه الأحداث الثقافية يكون هذا تحت وطأة المغريات، أو دوافع أخرى.

والكثيرون من المعنيين أو المبدعين أو غيرهم يشيرون في كل مرة إلى تدني مستوى الثقافة لكن مازال هذا الكلام من سنين مجرد لازمة تتكرر في كل مناسبة، وكل شيء إن لم يبق على حاله يتراجع إلى الوراء بسرعة أو ببطء.

Abeer_younes@hotmail.com