لا أحد في هذا الكون يستطيع أن يمنع الناس من التمتع بالمناظر الطبيعية التي تحيطه، وبالطريقة التي يريدها والوقت التي يحدده فمنظر غروب الشمس أو شروقها يحدث في النفس شيئاً مختلفاً يخلق نوعاً من الحوار بين المشاهد وما يراه يضفي عليه انفعالاته، فيراها مشاهد حزينة في بعض الأوقات ومفرحة في أوقات أخرى، وربما ينقلها بهذا الانفعال إلى أعماله الأدبية أو الموسيقية، والمسرحية والفنون التشكيلية.
كانت هناك نظريات تفسر الحالات المختلفة التي يتركها المحيط في أنفسنا، وما يضيفه الإنسان على هذا المحيط إلى أن تبلورت بنظرية تسمى «علم الجمال» وهو علم حديث ظهر عام 1750 على يد «برمجاتن».
بحيث بدأ هذا العلم بدراسة التذوق والمسائل المرتبطة به ثم أضيفت إليه مباحث الإبداع الفني، وعلم الجمال الذي يعود في أصول تسميته إلى اليونانية ويعني المعرفة الحسية، أو الإدراك الحسي يبحث في الشعور والإحساس واللذائذ التي تبعثها مناظر الأشياء الجملية، ولا يقتصر هذا العلم على ما هو جميل فقط، بل يبحث في القبيح أيضا.
ويرى «هيجل» أن ما وصل إليه هذا العلم كان نتيجة لفصله بين علم الظواهر وعلم الشيء في ذاته، بينما الجمال في رأي «هيجل» ليس تجريداً من تجريدات ملكة الفهم، وإنما هو في ذاته العيني والمطلق.
فكيف نتعامل مع هذا الجمال الذي لا يمكن أن نصفه بالشيء المحدد، خاصة وأنه مختلف وكثير، وقد نراه اليوم، وغدا يغيب عنا عندما تتغير المشاعر، أو تتغير الاهتمامات، فالذي نراه جميلاً في مرحلة ما، ربما نستغرب من أنفسنا أن هذا هو المستوى الجمالي الذي نقتنع به فالنظرة الجمالية تتغير مع المفاهيم والثقافة التي يمتلكها الإنسان، إلى جانب المكان الجغرافي الذي يفرض على الناس جمالية متجددة تجدد الطبيعة وفصولها.
عن هذا يقول الفلاسفة لإدراك الجمال نوعان: إدراكات خارجية، وأخرى داخلية، الأولى إدراك الأشياء المادية عن طريق الحواس، والثانية إدراك داخلي عن طريق التأمل الذاتي أو الاستبطان.
ربما لا مكان للجمال في بلدان لا تعرف إلا الحروب، ولا مساحة للتذوق والتأمل لإنسان يضرب في ذاته زلزال من الألم أو الحزن، وللأسف تغيب عن العين والذاكرة ما تمتلكه هذه البلدان من طبيعة ساحرة، وحضارة متأصلة لتستبدل بمشاهد الدمار والقتل والدماء.
إنهم بشر قادرون على تحويل الأشياء، وعلى إحداث العبث بما يحيطنا لتغيب المفردات والحالات الإنسانية والجمالية مقابل سيطرة حب البقاء على من وجد في هكذا ظروف، فهناك أولويات، في زمن يعتبر فيه الكثيرون أن الجمال جزء من الترف.
