يقولون في الفن أن اللمسات الأخيرة هي الأهم في عمل الفنان، لما تمتلكه من قدرة على إبراز جمالية العمل الفني، وإيضاح التكوين الذي يشكل اللوحة، أو المنحوتة. وتأتي الإساءة إلى ما وصل إليه الفنان عند عدم قدرته بالتحكم متى يبدأ، ومتى ينتهي في وضع هذه اللمسات رغم بساطتها ورغم أنها لا تشكل إلا جزءا بسيطا جدا من الزمن خلال العمل، لكنها تختزل مهارة الفنان وتبين مدى قدرته على التحكم بما يفعله.

إذن التفاصيل النهائية هي التي تمنح العمل الفني جمالية خاصة، وكذلك الأمر في كل الفنون الأخرى وفي حياتنا العملية أيضا، فالحديث الذي يقال وبكل ما يمتلكه من أهمية ربما يفسد معناه في جملة قصيرة لا ضرورة لها، والخبير بما يشاهد ويسمع يلتقط الخطأ كما يلتقط الصواب، وربما تذهب الرؤية لالتقاط الخطأ قبل الصواب و لهذا يأتي الحديث أولا على الأشياء السلبية، لما لها من قدرة على الإساءة لأهمية العمل مهما كانت بسيطة، فالعزف على آلة واحدة يشكل نشازا في وسط جوقة موسيقية ويسيء لكل الآلات التي تعزف موسيقاها بشكل صحيح.

ولا يمكن القول إنهم سينشدون الكمال، الذي لا يتحقق بالطبع لكن ستبرز قدرة المبدع على السيطرة على ما يستخدمه من أدوات وسيطة، خاصة أن استخدمت التفاصيل الصغيرة والكبيرة بقوة، فالأشياء التي تستحق أن تقال ليس بالضرورة، أن تكون خارقة كما ذكر يوما أحد النقاد.

والتفاصيل رغم بساطتها لابد أن توضع بقوة وثقة، فبعد الدفقة الأولى من كتابة النص الشعري يؤكد الكثير من الشعراء أنهم يعودون إلى نصوصهم لتشذيبها، كما وصف أحدهم مسترسلا: «أتعامل معها كالحديقة، التي نستغني عن بعض أعشابها ونساوي بين مسافات زهورها، لكن التشذيب الكثير يسيء لجماليتها».

إنها التفاصيل التي تعتبر خطا فاصلا ما بين الشيء وضده، مابين الذهاب بالعمل إلى مكانة عالية جدا وما بين تركه يئن تحت وطأة العادي من الإنتاج البشري.

إنها تفاصيل الروح الإبداعية تلقي بظلالها على العمل لتمنحه العمق والديمومة، وتجعله يسير بالاتجاه الذي يريده المبدع، فكم هربت أعمال من منتجيها عندما لم يتمكنوا من السيطرة على تمردها، وقفوا حائرين أمام الشيء المناسب لكل ما يحدث، أو بعبارة أخرى اختيار التفاصيل أو اللمسة الأخيرة التي يجب أن تأتي دون غيرها.

وهذا حقيقة لا تأتي من فراغ بل من مبدع متمكن من أدواته، وتجربته التي جعلته يقود ما ينتجه بحرفية عالية، لتحتل أعماله مكانتها المناسبة، وهذا ما يجعلنا نفرق ما بين السطحي الذي يمر عابرا من أمامنا، وما بين العميق الذي يستقر في الذات البشرية، إنها التفاصيل تحدد للبقاء، بعد نتاج إبداعي لا بد أن يكون متميزا.

Abeer_younes@hotmail.com