لم يهدف المبدعون منذ الأزل، من خلال إبداعاتهم أو اكتشافاتهم الظهور، أو الرغبة بالخلود والشهرة، فرغم المنافسات وحالات الغيرة التي كانت سائدة، وملازمة للبعض من المبدعين، كان هناك نوع من التقدير لغيرهم، حتى ولو كانوا من نفس المجال.

فمثلا لوحة «مدرسة أثينا» التي رسمها الفنان «رافائيل» ضمت عددا من مبدعي أثينا ومن بينهم الفنان «مايكل أنجلو» الذي كان يجلس في اللوحة بجوار فلاسفة ومكتشفين مثل «سقراط، وأرخميدس» وغيرهما ممن خلدتهم أعمالهم. وهذا ما فسره النقاد فيما بعد بأنها تحية تقدير ومحبة «لأنجلو» الفنان المبدع.

لكن ماذا يحدث في عصر كهذا يحمل المزيد من التعقيدات، والاتجاهات، والتيارات الأدبية، والفنية وغيرها.

بنظرة تأملية نجد أن بعض المبدعين يحاولون إلغاء غيرهم لتعزيز ظهورهم على الساحة الإبداعية، إلا من وصلوا فعلا إلى مراحل متقدمة، لا مجال لتناولها بطريقة سلبية في الكثير من الأحيان.

في حين يجب أن يكون الخلاف الإبداعي محركا للتميز، لا أن يكون مصدرا للنقد غير المنطقي، فالخلاف الإبداعي لا الشخصي يعزز التجربة، ويضيف الكثير للحراك الثقافي. وبالواقع ان ما يتردد بالأوساط الفكرية والثقافية، بعيدا عن الصحف والمجلات، لا يتعدى كونه نقدا سلبيا ناتجا عن تقييم أديب أو فنان لآخر من خلال أهوائه، أو اتجاهاته الفكرية.

وليس من خلال العمل ذاته، أما محاكمات الجمهور، وهم الرهان الأول على العملية الإبداعية، فلن تخلو من عبارات، مثل: «هذه النصوص الشعرية مرآة مشوهة لما أبدعه غيرهم من الشعراء». وهذا ما يدل على هشاشة الإبداع عند هؤلاء الذين يجيدون التهجم على غيرهم بهدف ظهورهم. وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الأعمال الفنية التي جاءت تقليدا لما أنتجه غيرهم من الفنانين.

وما يحدث في الساحة المحلية يحدث بجدارة في الساحات العربية، مع اختلاف انتشار ظاهرة المجموعة أي «الشلة» بحيث يكون (فلان) محسوبا على هذه المجموعة سواء كانت فنية أو أدبية أو مسرحية، بالطبع إن كان متلائما معهم فكريا، أو يقدم الولاء أحيانا لأكثر الأشخاص شهرة بينهم، بهدف تحقيق المزيد من مكاسب الشهرة.

ويحاول هؤلاء الانتقاص من أهمية غيرهم من المجموعات، كما ذكرت، بكلام يتردد بعيدا عن الصحف والمجلات، تميزه الثرثرة أكثر من المنطق. وبالرغم من عدم الانتماء لثقافة عربية صافية، بل مختلطة إذ تشكل الكتب المترجمة أكثر من خمسين بالمئة، وكذلك الأعمال الفنية لن تخرج كثيرا عن أساليب ومدارس نشأت في أوروبا، لكن مازالت الساحة تحتمل المزيد من القصور والمهاترات التي لا تخدم الإبداع، إنما تعزز وجود العديد من المتسلقين الذين يكتب عنهم بطريقة لا يجيدون كتابتها أحيانا.

ومهما قيل يبقى التاريخ هو الذي يفرز النتاج الإنساني، فالمبدع الحقيقي يدرك أن الحالات التي يعيشها أثناء ممارسته لعمله أيا كان تجعله لا يبالي بما يحدث لاحقا في الساحات الثقافية مكتفيا بمساحة من الزمن تتسع لإبداعه.