(أَهَبُ الأشياء الصغيرة لمن أُحب؛ أما الأشياء الكبيرة فللجميع).. حضرني هذا القول لشاعر الهند وفيلسوفها الخالد طاغور؛ حيث وجدته الأكثر اختصاراً وتعبيراً عن مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بإيعازه لإنشاء مؤسسته الرائدة للتنمية البشرية.
وذلك بوقف وقدره 37 مليار درهم ما مقداره عشرة مليارات دولار أميركي للإسهام في النهضة العلمية والثقافية، وذلك بدعم العقول والقدرات العربية الشابة، وإنشاء مراكز الأبحاث العلمية وبعثات الدراسات العليا في أعرق الجامعات والمعاهد العالمية. هذا الإنسان الذي تَمسَّك بميراثه من اليقين بالخير القادم بعد العناء؛ فلم نشاهد حتى اليوم حدودا للدهشة من مكرماته.
حيث وكسابق عهده يستمر في العطاء والحب.. أفكارا ومبادرات، وهو بذلك ممن يسعون إلى حقائق الأشياء. فثمة أناس يقدمون لقاء حقّهم المدهش في الوجود؛ لأن الحب والفرح اللذين يسكنان وجودهم ليس لهما حدود. هذا الإنسان الذي تسري في أعماق قلبه المشاعر والأفكار هو أحد أصحاب الأنفس النادرة التي تُمسك بأطراف الفوارق، ومثل هذه الأنفس جديرة بالوصول إلى غاياتها وطموحاتها.
ولعل المرء اليوم قد حظي بوضع حد للأسئلة المحزنة عن مصير العديد من المواهب الإبداعية الفذة التي يزخر بها وطننا العربي من أقصاه إلى أقصاه. مواهب يمكن وببساطة وصف الكثير منها بالمعجزات؛ ولكم كشفت الملتقيات والمؤتمرات عن مواهب ذات قدرات مبكرة مذهلة في جميع المجالات الإبداعية.. العلمية والأدبية؛ لكن تتوقف حدود هذه الملتقيات عند الكشف المبكر عنها، ثم تصطدم المواهب بعد ذلك.. تارة بشح الإمكانات، وتارة تتحطم المحاولات على حائط مقولة اللا جدوى؛ لكن جاءت مبادرة سموه لتؤكد على أن الإنسان بوسعه أن يُحيل اللا جدوى إلى فرح عميم.
هذه المبادرة التاريخية أعادت إلى الذاكرة مواهب واعدة من أطفال العرب تمتعت بمستويات من النبوغ اللافت في مجالات مختلفة، هذه المواهب تحتاج لهذه المؤسسة حتى ترعاها وتبلورها ثم نفاخر بها كثروة قومية من العبقريات الشابة. معجزات شهد المرء على بواكيرها، فانتظر نتاجها، ثم تساءل عنها وعما حل بها، وأين هي، وماذا صارت؟ ويبدو أن العجز كان قد طمسها.
من هذه المعجزات يحضرني فارس مسعد الفاطمي ذو العشرة أعوام ضمن المشاركين في ملتقى الأطفال العرب التاسع مؤخرا، كان الأطفال العرب المشاركون يتمتعون جميعهم بمواهب مدهشة، وبرز فارس كما برز قبله كثيرون من سنوات، وقد شارك في حفل الختام بقصيدة من نظمه في 72 بيتا، كانت أشد وأوضح من بيانات كثيرة لمؤتمرات القمة حيث قال: (يكفي فلسطين يواجه طفلها الصدمة/ البعض يُقتل وبعضه في دمِّه غرقان/ وأطفالنا في العراق والأم والعمّة/ صاروا ضحية وقيد الحرب والدخان/ بالحرب ذاقوا المر من طعمه/ هل في عدالة وهل في حق للإنسان/ ما عاد يراعوا حقوقا للطفل أو لامه/ يا للأسف آه كم يُقتلن نسوان...).
وبعد أفلا يحق للمرء أن يغبط نفسه على هذه النفس النادرة، ويسأل.. إذا أوصل الـ (كيتانجالي) وهو شعر التدين والتقوى الرائع طاغور إلى جائزة نوبل! أفلا نتصور صاحب مؤسسة التنمية البشرية، وصاحب هذا الوقف الذي سيشمل الأمة العربية؛ بأن يُشَرِفَ جائزة نوبل ذات يوم قريب؟
