الكثيرون من القراء تستوقفهم اللهجة المحلية حين يستخدمها الأديب في كتاباته، مهما اختلف تصنيفها بين شعر أو رواية، ولا يمكن القول إلا أنها تحتاج إلى تفسير، عندما يقرأها من لا ينتمي إلى تلك اللهجة المستخدمة.
لن آتي بجديد إن عدت للتذكير أن اللغة العربية الفصحى هي اللغة التي تصل إلى جميع الناطقين بها أو حتى الذين يجيدونها من جنسيات أخرى، أما اللهجات فتبني جداراً بين القارئ والكلمات والمعاني، وهذا ما يجعله في أحيان كثيرة يبتعد عن قراءة هكذا نوع من الإصدارات.
وليس هذا فحسب بل ستقف عائقاً أمام المترجم، حين يترجم أي نص، ويمكن القول إنه سيخوض تجربة مختلفة عن ترجماته الأخرى. قال هامفري دايفيز في لقاء جمعه مع أحمد العايدي، في معرض أبوظبي للكتاب في دورته الأخيرة عند ترجمته لرواية العايدي التي تحمل عنوان « أن تكون عباس العبد»: «إن استخدام اللهجة جعل العبارات غامضة لغير المصري، وللمصري أيضاً لأنها عامية لدرجة كبيرة، وبهذا كان على المترجم، أن يتعامل مع هذه المفردات بطريقة أخرى، لأنه لا يوجد ما يشابهها بالانجليزية».
وفي هذا القول لفتنا دايفيز إلى نقطة مهمة وهي اللهجة المصرية، أو الخليجية، أو غيرها تتشعب إلى لهجات أخرى، فأهل الصعيد يتكلمون بطريقة مختلفة عن أهل القاهرة مثلا وهكذا عند أية مقارنة. وهذا ما يبدد دعوة من ينادون بأن يكتب العرب باللهجة التي يفكرون بها، دون أن يتخيلوا ما مصير هذه الدعوة إن تحققت بالفعل ومن سيفهم لهجة من؟
ولمَ لم تكن دعوتهم بالعكس وهي أن يتحدث الناس في يومياتهم باللغة العربية الفصحى؟
استخدم الأديب الراحل نجيب محفوظ بعض العبارات العامية في رواياته، لكن أن يأتي وقت تكون بها اللهجة المحلية مع بعض الفصحى، التي تظهر على استحياء أداة لمادة روائية كاملة مما لا شك فيه أن هذا سيثير الكثير من الجدل.
فإحدى الكاتبات التي كتبت باللهجة الخليجية عزف عن روايتها الكثيرون، فاللهجة كانت عائقا كبيرا، ويمكن القول إن القارئ في أي بلد عربي آخر لن يستطيع أن يقرأ صفحتين من الرواية، بينما تصر الكاتبة أن على القارئ أن يتعلم لهجتها، في الوقت الذي ستجلس فيه مع المترجم الذي سيترجم روايتها كي تستطيع تفسير الكلمات المستعصية عليه، وتحاول أن تجد لها تفسيرا ما، وكأنها تترجم من العربية إلى العربية.
الأمر ذاته بالنسبة للشعر الذي يكتب باللهجة المحلية لأي بلد، إذ لا بد أن يحتوي على الكثير من المصطلحات المحلية التي لا يمكن أن تفسر إلا ممن ينطقون بها، وكأن هذه اللهجات أصبحت جزءا من التراث المحلي.
بعض الخبثاء يعلق: لو يستطيعون الكتابة بالفصحى، لن يكتبوا باللهجات المحلية تماما كما يحدث عندما يتكلم مقدمو البرامج باللهجات العامية، وذلك بسبب عدم إجادتهم اللغة الفصحى، لكن أن تساهم الروايات في التكريس للهجات المحكية سيكون الأمر أكثر سوءاً.
Abeer_younes@hotmail.com
