لا تتوقف الأمم عن التنافس في ما بينها لتعزيز الشعور بالتميز لديها، والانفراد بالصدارة في تقديم الاكتشافات والابتكارات، وتغذية الذات بمشاعر الاكتفاء، والاستمتاع بحاجة الآخر الضرورية والدائمة إلى خبراتها واختراعاتها.
مثل هذه الأمم لا تنفك تنظر إلى باقي المجتمعات من برج عاجي وعال وتخص الأمة العربية بتلك النظرة المتعالية لكون العربي غير قادر على مواكبة العصر وغير قادر على استيعاب المستجدات ولا المضي متوازيا معها من وجهة نظرها.
وأن العربي توقف عند أمجاد الماضي ولم يقدم جديدا، ولم يضف إلى أمجاد الأجداد ما يمكن ذكره أو الاعتداد به!
علما أن بعض هذه الأمجاد لا تَسلمُ عادة من المَنّ الزور والأذى، فتجد من يدعي ملكيتها الحضارية، أو ينسبها إلى أمم مختلفة وإن فضحته القرائن، فلا يتردد في الزجّ بأقوام وأمم آخرين لتنسب الفضل في ما قام به العرب وما قدموه للإنسانية؛ إلى مساندة هؤلاء ومساعدة أولئك التي لولا قدراتهم الفكرية والعلمية لما تمكّن العربي من إحراز النجاح في أي أمر!
خاصة تلك التي يخلّدها التاريخ لما أضافته إلى مشاريع الحضارة. وتسود فكرة التخلف عن العربي وعدم شغفه بالعمل، وعدم الاشتغال على البحث العلمي وعدم المشاركة المجدية في رفد الحاضر بذخيرة يفاخر بها في المستقبل، ويحفظها له التاريخ كما فعل مع (النقطة).
فالعالم لا يذكر اكتشافا قدمه العرب أكثر من (النقطة أو الصفر) وهذا الاكتشاف أُشبع سخرية واستخفافا من كون الصفر ليس بذي أهمية، ولا يعتدّ به كإضافة يمكن أن تحسب في قائمة الابتكارات العظيمة والتي قد تخدم الإنسانية وتفيدها، وأنه ليس سوى اكتشاف متواضع وبسيط ليس إلاّ.
لكنه اليوم ليس كذلك في مجال الاقتصاد وخاصة لرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، فكلما ازداد عدد الأصفار أمام الرقم ازداد معدل ثروة المرء، وله بذلك أهمية بالغة يغبط البعض حد الذهول إذا تكرر في صفقة أمام سعر الشراء أو البيع، وقد يطيح بقامات شاهقة فتنهار إذا تراجعت أعداده وتقلصت أمام رقم في صفقة أخرى.
فالعالم كله أصبح يدرك أهمية الصفر، وقد غدا التقييم والتقدير خاضعا للغة الأرقام حيث توزن الكائنات وتحدد مواقعها وصفاتها وتصنيفها ودرجاتها بالأرقام، وقد أثبت الصفر أهميته وضرورته في هذا العالم قاطبة، ولم تعد تقتصر على مجال الاقتصاد.
أما في الكتابة فإن (النقطة) لا تقل في الأهمية عن ذلك أيضا؛ إنما قد تزيد، وتتحقق فائدة النقطة من مدى معرفة معناها.
ولقد أورد لنا التاريخ نماذج من المواقف التي تعزز مجد هذا الاكتشاف، وتؤكد أهميته في مجال اللغة، ويحكى أن قيصر روسيا أصدر حكما بنفي أحد الرجال المقربين من زوجته إلى سيبيريا، فنظرت الزوجة إلى ورقة الحكم فرأت فيها (عفونا مستحيل. يُرسل إلى سيبيريا) وبمهارة خاطفة وذكية محت الزوجة النقطة بعد كلمة مستحيل ووضعتها بعد كلمة (عفوُنا) فانقلب المعنى من الاتهام إلى البراءة بحيث أصبحت الجملة (عفوَنا. مستحيل يُرسل إلى سيبيريا).
