يقبع في ذاكرة كثير من القراء النهمين اسم أول كتاب قرأوه، وإن كان ملكهم أم استعارة من أحد أصدقائهم، وكم كان عمرهم حينها، وهل كان المحتوى أكبر من مستواهم الفكري، أم يوازيه، وهل كان هذا الكتاب أو غيره الأول في تأسيس مكتبة، ربما باتت تحتوي الآن آلاف الكتب، تشمل ما اختاره في حياته العملية، وربما الدراسية.

وبنظرة عميقة على العناوين، سنكتشف أن بعضها لم يعد متداولا في هذا الزمان، وبعضها الآخر تألق في زمن ما، ينطبق هذا بشكل خاص على المواضيع السياسية، والعلمية، فعصرنا الحالي شهد ويشهد انقلابات جذرية كثيرة، أثرت على الفكر والسياسة وما صاحبها من نظريات، الأمر الذي أدى إلى إصدار كتب كثيرة، تتماشى مع الأحداث، وتعكس نتائج ما شهده ويشهده العالم من حروب وكوارث طبيعية وإنسانية.

وتأتي هذه الإصدارات الجديدة، بعد أن تصدرت الكتب التي تسلط الضوء على الحربين العالميتين الثانية أو الأولى لفترة من الزمن، مثل رواية »الساعة الخامسة والعشرون« للكاتب الفرنسي غونستاتنان جيرجيو، بينما انحسرت روايات مستمدة من زمن الثورة البلشفية مثل روايات مكسيم غوركي، وبوريس بوليفي وغيرهما.

وهذا طبيعي بعد أن هدمت الأحداث المتلاحقة كل الإنجازات السابقة، ومحت معها بعض الإنجازات الأدبية، إلى جانب الكثير من الكتب التي كرست نظريات فلسفية وفكرية ذات الصلة، لتتصدر قائمة الكتب إصدارات أخرى تتناول الإشكاليات المعاصرة، مثل كتاب (صراع الحضارات). لمؤلفه صاموئيل هنتنغتون، الذي بات مرجعا يستشهد به لمعظم الدراسات، أو حتى الخطابات التي تتطرق من قريب أو بعيد، عن صراع أو حوار الحضارات.

وبالنسبة للكتابات الأدبية، وتحديدا العربية، لم ترتق الإصدارات إلى المستوى المطلوب، ولم تعالج الانقلابات الفكرية والعلمية، ولم تدخل في عمق الصراع الفكري الحضاري المعاصر. لقد فرض السوق عناوينه التجارية، ومن جمع في مكتبته الكثير من العناوين المهمة استبعد وبدون أي عقدة ذنب، إصدارات كثيرة ربما وصلته عن طريق الإهداء ممن صنفوا أنفسهم على أنهم شعراء، أو كتاب قصة، وأحيانا قليلة رواية، ومع الاعتذار، ربما كان مصيره سلة المهملات مع تعليق بسيط »خسارة الورق والحبر الذي يذهب إلى هكذا نصوص«.

كل العصور عرفت الغث من الكتابات، وانتهت دون الإشارة إلى أصحابها، والذي خلده التاريخ جاء بعد عمليات فرز متلاحقة.

كثيرون من أصحاب المكتبات المتميزة يفرزون كتبهم قبل أن ترتاح على رفوف مكتباتهم التي ربما ورثوها لأولادهم ، فما فرضته التقنيات من صناعة الكتاب و سهولة تداوله بين الناس لقلة تكلفة طباعته، جعل كثيرين يتطاولون، هذا ونحن لم ندخل في مناقشة عن الكثير من المطبوعات الأخرى كالمجلات السطحية التي لم يعد يتسع السوق لعناوينها.

Abeer_younes@hotmail.com