تتنوع العلاقات بين بني الإنسان، وتتفاوت أهميتها؛ لكن الأهم هو الإبقاء على ديمومة التواصل بالحفاظ على جمالية العلاقات؛ لكن ذلك الرجاء لطالما تعتم حين تسود المشاحنات بين البشر وتستغرقهم فتفسد قضيتهم وتنهي الود بينهم.
ولعل الاحتياج الأول، ذلك القائم على التكامل بين عنصرين، وأوضح صوره بين الكائنين البشريين.. المرأة والرجل في جميع مجالات الحياة. هذان الكائنان قادران على جعل العالم أفضل، كما أنهما قادران على وضعه على حافة الانفجار.
وكم من خلاف أحرق علاقة نبيلة بسبب الاختلاف الأزلي في طرائق التفكير، تلك الاختلافات التي لم يدركها المرء كقاعدة قبل جهود الباحثين والعلماء النفسيين، ومنها جهود د. جون غراي صاحب كتاب (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) الذي حقق شهرة واسعة عند صدوره.
والقائم على فرضية أن النساء سكان كوكب الزهرة والرجال سكان المريخ، وأنهما اجتمعا على الأرض ففقدوا الذاكرة التي كانت ستعينهم على استيعاب الفروقات الشاسعة بينهما؛ لأن المريخيين يتمتعون بالقوة والكفاءة، وبأنهم بحاجة دائمة إلى تطور قدراتهم ليشعروا بالإشباع، أما الزهريات فيعتمدن على قيم مختلفة تماما، هي الحب والاتصال والجمال والعلاقات.
حيث لا تشعر الزهرية بالإشباع إلا عن طريق التواصل، وأن الرجال يحفزون عندما يشعرون بأن هناك من يحتاج إليهم، بينما تحفز النساء عندما يشعرن بأنهن معززات. وأن الرجال غالبا ما يذهبون إلى كهوفهم، بينما تتحدث النساء، وهي إشارة إلى مشاعر الغربة التي قد تنتاب المرأة حين تصطدم بعائق صمت الرجل حينها يقع الصدام، وتبدأ الخلافات، وتعلن الحروب التي قد لا ينهيها فراق بقدر ما يشعل أوارها أكثر.
ترى لو اعتمدت فرضيات جراي فهل يتحقق السلام فعلا، وهل تنجح في تقليص مساحة العداوات، فتفسح مجالا للنسيان والصفح؟ وما أحوج الناس اليوم إلى العفو والغفران.
في السيرة (العاطفية) (أيام لم تكن معه) للمخرجة عطيات الابنودي، وقد رصدت ذكرياتها يوما بيوم على مدى سنوات ثلاث؛ هي الفترة التي قضتها مع الوحدة أثناء اعتقال زوجها السابق الشاعر عبد الرحمن الابنودي، وكيف كانت تستقبل كل شائعة لإطلاق سراحه، ثم لا تجني سوى الخيبة ومزيد من الانتظار.
وحين صدق خبر الإفراج عنه، كانت مرتبطة بعرض يومي في مسرح الجيب في القاهرة، فوضعت له ورقة على باب الشقة تخبره بمكان وجودها الذي يعرفه جيدا، وأكدت على العاملين في المسرح بأن يسهلوا دخول عبد الرحمن، وطوال العرض وقلبها يخفق باضطراب، حتى عادت إلى البيت منكسرة.
وحين وجدته في البيت؛ كان قد وصل منذ ساعتين.. تقول (لم أسأله لماذا لم يتصل بالتلفون ليخبرني بوجوده، ولم يجر إلي عابرا ميدان التحرير إلى كوبري قصر النيل ثم يمينا إلى مسرح الجيب، ولم يأخذني بعد انتهاء العرض عائدين عابرين كوبري قصر النيل، ولم يتوقف معي قليلا لنتأمل النهر تحت أضواء القاهرة، ولم نمش سويا إلى ميدان التحرير، ولم نصعد سلالم بيتنا معا)! إنه الاختلاف في طرائق التفكير الذي يتراكم ثم يُفشل أجمل العلاقات. في هذه التجربة استغرقت عطيات سنوات لتصل إلى مواسم الغفران في نفسها، بينما لا ينبغي انتظار كل ذلك الوقت لمصالحة النفس بعيدا عن رحاب المواسم.