الأيام القليلة الماضية وحتى يوم أمس الثلاثاء كانت من حظ الكتاب وحده؛ حيث خصصت له بضع ساعات في كل يوم للاحتفاء به، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للكتاب (24-4). وبهذه المناسبة نشطت حركة المكتبات أكثر، وأقيمت الفعاليات لترويج الكتب وتكريس مبدأ اقتنائها وتشجيع القراءة،
وفي ذات السياق جاءت برامج عدد من المؤسسات الثقافية والجمعيات ذات النفع العام. وتناهى إلى المرء أخبار فعالية هنا وأخرى هناك، وجميعها تنادي بحب الكتاب وتهدف إلى مصالحة الأفراد معه، وخاصة فئة الشباب. في القاهرة مثلا تم تكريم بعض الرواد باعتبارهم في طليعة من ساهموا في رعاية الأدباء وإثراء الحركة الأدبية والثقافية في مصر بمبادراتهم الفردية وجهودهم الذاتية،
مثل هذا الاحتفاء بمن أعطى جزءا من نفسه لهو أمر محمود جدا. ولا تزال مثل هذه المساهمات قائمة ومتفاعلة وكثير منها في مجتمعنا المحلي، لكنها غالبا بعيدة عن الأضواء ومبتعدة عن أقلام الصحافة وعن حديث الإعلام، فتعمل في الظل إن جاز القول وبتحفظ وهدوء ليس من استحياء بقدر ما هو من تواضع.
ففي عدد من إمارات الدولة وبدءا من العاصمة أبو ظبي تنشط ظاهرة المنتديات الأدبية الخاصة أو ما قد يمكن وصفها بالأهلية. ولعل الدافع إلى إنشاء مثل هذه المنتديات هي النمطية التي ظلت عليها إدارات كثير من المؤسسات الثقافية الرسمية في تقديم برامجها،
ومن ثم وقوعها في فخ التكرار الممجوج، مما جعل عددا من المهتمين بالإبداع أن ينصرفوا عنها، والعمل على تكوين مجموعات خاصة تتوحد في مشترك واحد هو حب الكتاب، حتى وإن وجدت اختلافات بين أعضائها. أول إماراتية أنشأت صالونا أدبيا في منزلها كان بهدف إثراء الوعي الذاتي وتشكيل الذائقة الأدبية والحفاظ عليها بعيدا عن جلسات التسلية بالنميمة غير المجدية،
تفخر اليوم هذه الإماراتية بالمجموعات العشر التي انبثقت من أول مجموعة كونتها قبل اثني عشر عاما، حيث تضم كل مجموعة من عشرين إلى أكثر من مئة وستين قارئة، وحيث تنجز كل مجموعة قراءة كتاب في الأسبوع وقد تصل لأسبوعين على الأكثر ثم يطرح للتحليل والنقاش.
وفي إطار حب الكتاب وتعزيز القراءة تستمر الاجتهادات ومن هذه الجهود بلا حصر المهرجان القرائي الذي ينظمه سنويا المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة وما تقوم به وتقدمه جمعية حماية اللغة العربية ومن ذلك مشاركتها في الفعاليات التراثية بالشارقة تحت شعار (لنجعل القراءة عادة يومية).
كذلك الجوائز الأدبية في كل فروع الإبداع الأدبي التي أنشأها ويقوم على رعايتها عدد من أنجال الشيوخ، والهدف من كل ذلك هو تقدير الكتاب وتعزيز صحبته لما لتأثيرها من سمو. نذكر أيضا مشروع (تاج المعرفة) الذي أطلقه ويرعاه مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الثقافي حيث يتنافس الأطفال في القراءة ويمنح تاج الجوهرة الحمراء لمن أنهى قراءة مئة قصة، والجوهرة الصفراء للمئتين ،
وهكذا يدل لون الجوهرة على عدد الكتب المقروءة، وعند التسعمئة قصة يمنح تاج الجوهرة السوداء أما قارئ الألف قصة فيفوز بالجوهرة الخضراء. ولعل مما يؤمله المرء أن تفرز هذه الجهود مواهب مبدعة منذ المراحل الدراسية. لقد أورد الدكتور نديم دعكور في كتابه المفيد في التعبير وتحليل النصوص ما كتبه طالب عربي في مرحلة الدراسة المتوسطة تحت عنوان سمو العطاء
(... هناك عطاء أسمى وأرفع هو عطاء الإنسان جزءا من نفسه... يجود بها على الناس ليغذوا عقولهم ويرووا أرواحهم... هذه القطع من قلبك، تنعم بها على الناس لابسة المادة من لغة أو لحن أو لون... وهؤلاء الذين يعطون... هم أبناء الفن الموهوبون وعطاؤهم هذا ري للعطاش، وإشباع للجائعين لكنه عذاب لهم، إذ إنهم... غالبا ما يغمسون أيديهم في دماء قلوبهم حين يعطون من أنفسهم).
falhudaidi@albayan.ae