البعض منا حين يصافحه النهار يومئ له بنزق ويتابع المضي مسرعاً إلى وجهته فيما يبدو سباق مع الوقت بينما هو يهرب منه لأن الوقت لص. نُحيِّ بعضنا باقتضاب ونمضي بانهماك عابس، ذلك لأن النسيان يقطِّبنا. نقرر سراً أن نسأل أول من يصادفنا عن اسم آخر من مر بنا أو مررنا به ورمينا له بالتحية؛ بينما نبحث عن مكان مثالي لنبدد فيه خيبتنا.
تغيب الأسماء غالبا حين تحضر الملامح فلا يسعفنا دليل الهاتف النقال ولا أجندة الذهن المكتظة، ويقال إن الإنسان والنسيان اشتقاقات بعضهما؛ فأيهما ترى هو الأساس؟! ولمن يجب أن يُحسم النصر؟! لا شك بأن النسيان هو نعمة؛ لكنه في حين وليس في كل الأحيان ولو أشقتنا الذكرى فلا بأس؛ لأنها لابد تنفع المؤمنين.
أتاحت للمرء ظروف الحياة أن يقابل أنماطاً من البشر؛ ويتعرف إلى بعضهم.. منهم من سلَّم بنعمة النسيان فنسي، وأكثرهم من استمرأ الكِبر فتناسى، والأشد حساسية هو ذلك الذي لم.. ولا ينسى، وسياق العيش عادة يدفع بنا لخوض معارك معا؛ يلهبنا بعضها، وبعضها يلهمنا فهل ينبغي نسيان نتائج هذه أو أسباب تلك؟
قال أحدهم.. حين التقيت به كانت الوحدة تزعزع خطواته، والغربة تشل كلماته والجهل بالقنوات المنفِذة يكبل مبادراته، أما الحاجة فكانت المهيمنة على تفكيره وحياته.. تقرَّب إليّ فاختصرت له المسافة، أشركته في مسيري فخضنا معاركنا معاً.. قاسمته حظي وبطيب خاطر قبلت أن أصير له جسراً ولو إلى حين، عبر الجسر واجتاز محنه وعُسر ظروفه، ثم تجاوز معرفتي وتناساني. فهل حقاً وقعتُ من فجوة الذاكرة في سلة النسيان؟! فتناسى الفضل بيننا؟!
لا شك بأن المتناسين قد تزايدوا، وكثر المتسلقون والوصوليون؛ طالما هناك من يوثر على نفسه مستندا إلى الفضيلة والخصاصة، ثم يجد نفسه بعد ذلك محاصراً إما بالحسرة ما بين عجبه وإعجابه، وإما برغبة التبرؤ من كليهما. يضيف صاحبنا.. وبعدُ.. التقينا فصافحني بكف خفيَّة متحفظة ونظرة ثلجية متخثرة. واليوم وقد تألق نجمه يمكن رؤيته من بُعد فهو فوق سقفي مغمور بالضوء!
أما باولو كويلو فيقول لصاحبه وهو يهديه أحد ابداعاته الأدبية..( لأجل غبطة المعارك التي خضناها جنباً إلى جنب، ولأجل شرف المعارك التي خضناها فيما بيننا).. وحسب.