الأمور دائما تبدأ بفكرة، تكون هائمة في العقل البشري تضيء وتختفي كثيراً قبل أن تتخمر في العقل وتصبح واضحة. ومن هنا يبدع الإنسان، فالفكرة تميز العقل البشري، لأنها نتاج تفكيره الذي يميزه عن بقية المخلوقات، ومن هنا تأتي النظريات العظيمة في الحياة، فكل ما هو مبهر لابد أن يكون قد جذب الناس بفكرته.
والفكرة لا يستطيع أي كان امتلاكها وطرحها، وهي إما أن تكون جديدة لم يسبق لأحد طرحها، أو تكون قديمة متجددة أضيف إليها الكثير. وكما نعلم حدث هذا في الكثير من النظريات العلمية، أو الفلسفية، أو الرياضية وغيرها.
وباعتبار أن امتلاكها ليس بالأمر اليسير، نراها تأتي بعد مراحل طويلة من التأمل، والافتراضات والحوار والمناقشة، والقراءات والاستناد على ثقافات ومعلومات جديدة وقديمة، ولهذا تأتي متفردة لا تشبه غيرها من الأفكار لأنها نتاج عقل مختلف عما قبله، يأتي بإضافات، ولا يكرر ما كان قد قدم للبشرية من نتاجات فكرية أو إبداعية.
وعندما نتأمل الأعمال التشكيلية، أو الأدبية أو السينمائية الناجحة والتي حققت وجودها الزمني، وأحدثت ثورة على كل ما هو قديم، لابد أن نرى أن الإبداع بدأ بفكرة سخرت لها كل الإمكانيات على اختلاف مصادر الإبداع، فالفنان لا يمكن أن ينجح بتقديم فكرته إن لم يكن متمرسا ومتمكنا من أدواته الفنية، من ينسى لوحة إصرار الذاكرة للفنان سلفادورو دالي الذي رسم مجموعة من الساعات الملتوية على أشجار عارية، لا يمكننا أن نشاهد هذا في حياتنا اليومية،
والكثير من لوحاته أو لوحات غيره تقودنا إلى عالم من الدهشة، من كيفية التقاط هذا الفنان لفكرة معينة، بل وتسخير كل أدواته لهذه اللوحات، والأمر لا يختلف بالإبداعات البشرية الأخرى، فمغادرة الأرض يوما إلى القمر كانت انتصارا كبيرا للفكرة البشرية، لإمكانية تحقيق ما لا يمكن أن يتخيله عقل قبل قرون،
فالأفكار حين تخرج من مبدعيها لن تعرف المستحيل، وإن تأخرت مئات السنين في تحقيقها فلابد أن يكون هذا ناتجا عن قصور، أو محاربة فكرية معينة فكم سطر التاريخ أسماء أناس دفعوا ثمنا لأفكارهم، هذه الأفكار ذاتها هي التي انتصرت فيما بعد.
وفي وقت لا تتضح فيه الأفكار، أو تأتي المعالجة سطحية غير مختمرة لا بد أن نجد أن العمل يتشبع بالفراغ، ويأتي باردا، ويمر عابرا لا يلامس الروح، وهذا ما يميز ما هو حقيقي، وما هو مصطنع خال من الإبداع، يطرح أفكارا مقلدة أو ناقصة، أو يخلو من الأفكار،
ولهذا يتراكم حولنا الكثير من المطبوعات غير الجيدة، مهما كان تصنيفها الأدبي أو الصحافي، أو تزعج مسامعنا موسيقى مملة ربما سمعنا مثلها من قبل، أو تؤذي عيوننا أعمال تلطخ مسمى الفن بكل أنواعه، والعزاء الوحيد أن التاريخ يفرز وما يبقى هو المميز، وما يثير الضجة في زمنه لظروف محيطة، قد ينتهي يوما لأنه فارغ من كل مضمون، فمهما سندت الأعمال ببريق خادع، لن يسندها في زحمة السنين إلا الانسجام الكبير بين الفكرة وطريقة تقديمها.
Abeer_younes@hotmail.com