وقر هذا القول في الذاكرة وهو أن (مياه كل بحار العالم لن تستطيع أن تُغرق سفينة ما لم تدخل المياه في جوفها) فكم منا نحن سكان هذا الكوكب الجميل نعي هذه المقولة، وكم ممن يعونها يؤمنون بها، أو ينتهجون بُعدها؟!

ولو أسقطنا ذلك القول على النفس البشرية والذات والضمير على أمل حمايتها وتحصينها والمحافظة على سلامتها من الضرر والتلف؛ فكم هم أولئك الذين يسعون إلى ذلك، نتيجة لتلك القناعة وإبقاء دواخلهم وأعماقهم خالية من الشوائب، وسليمة من الإعطاب، وكم هم الذين يعملون على تطهير أنفسهم من الأحقاد خاصة، ومن الأطماع؛ تلك المؤدية بالضرورة إلى الغرق.

تسعى البشرية ومنذ عقود بسباقها المحموم نحو التفوق على من سواها من المخلوقات؛ حتى تلك التي ميزها الخالق عنها؛ بقدرات وخصائص مختلفة وخارقة، لكنه سبحانه سخرها لصالح الحياة والإنسانية جمعاء.

فإنسان اليوم لم يكتف بمقارعة أقرانه لإثبات تفوقه عليهم وتميزه أمامهم وقوته؛ بل صار يقارع الطبيعة بكل عناصرها، قائما بما يستطيع وبما لا يستطيع، حيث يلجأ إلى إعمال الآلة الصناعية لتقوم بما يعجز عنه بهدف جني أكبر كم من الفائدة، وفي أقصر وقت من الزمن، متجاهلاً أن الوقت الذي يختصره في سبيل الإنجاز هو اختصار من عمر الطبيعة في الوقت نفسه.

لا شك في أن الأحلام جميلة بل ومشروعة، وأن الأحلام المبدعة ليس لها حدود، ولا أجمل منها إلا تجددها؛ إلا أن أحلام البشر فاقت كل الطموحات، وجاءت على حساب الطبيعة فتجاوزت كل الحدود، واستغلت مواردها حد الهدر والإنهاك.

وهاهو إنسان اليوم يجني حلاوة أحلامه بالإطاحة بالبيئة، والإمعان في وأد الطبيعة بلا رادع.

وكأنما قد تخلى عن كل الثوابت الإيمانية المشدِّدة على ضرورة الإبقاء على الحياة، والرهِبة مما قد يسبب الأذى وحسب، فكيف بما يؤدي إلى الفناء؟! جراء الحصار الكوني بأشكال الممارسات السلبية والسيئة الموجهة ضد الحياة.

كل الأجواء مشبعة بالتلوث.. الجو.. الأرض.. البحر؛ ملوثة بما يفوق الوصف والاحتمال، وبما يعجل بنهاية مأساوية كما تنبئ الظواهر، وكأن البشرية قد اختارت إدخال الماء إلى جوف السفينة! أوكل ذلك التخريب من أجل الرفاهية وتحويل الحلم إلى حقيقة؟! الحلم بالتفوق والتميز، والغلبة وإثبات القوة التي قد لا يمكن تصريفها، وقد لا يتوفر الوقت ولا المكان للاستعراض بها والاستمتاع، وإشباع الغرور البشري الذي لا يكف عن الاستزادة كما يحلم الحالمون! فمتى تتذكر البشرية أن الطريقة التي تجعل الحلم حقيقة هي أن تستيقظ منه؟!

falhudaidi@albayan.ae