من الملفت حضور الموت كثيراً في الأمسية الأخيرة التي أحياها الشاعر المبدع محمود درويش على خشبة المسرح الوطني في أبوظبي، قال في وصفه ميتاً مشى في جنازته دون أن تكون له معرفة مسبقة به، ربما هو كاتب أو عامل، أو لاجئ أو سارق أو قاتل. .. لا فرق فالموتى سواسية أمام الموت. .لا يتكلمون وربما لا يحلمون.

لقد وصف درويش هنا واقعاً ينطبق على الجميع، ويشغل الناس منذ الأزل، لذلك رفضوا واقع الموت، رفضاً قاطعاً لاسيما وأن قلق الموت يأتي قوياً، وهذا ما جعله مادة هامة في الأساطير القديمة، بحث من خلالها أبطال بعض هذه الأساطير عن الخلود ولم يستطيعوا أن ينشدوه، فالخلود ببساطه لا يملكه البشر.

وتتطور فكرة الرفض القاطع للفناء، و لهذا قام الفراعنة منذ القدم بتحنيط ملوكهم، على أمل أن تعود إليهم روحهم، وبالتالي حياتهم من جديد. ورغم أن الإنسان يموت بصفته فرداً، لكنه يستطيع أن يمارس فعلاً ما في الأجيال القادمة بواسطة ما تركه من أعمال وإبداعات، فالآثار التي يتركها فرد أو جماعة تتيح للحضارة البقاء والاستمرارية.

وكما هو معروف في الأدب أن الكتاب تناولوا الموت في إبداعاتهم، ليصبح موتاً يمكن تمجيده، قال عبد الرحمن منيف «الموت بغل أسطوري يأخذك إلى الجنة» وفي الأدب الغربي حاول الأدباء الوصل برواياتهم الخيالية إلى بدائل من خلال فكرة التبريد بعد الموت، أو غيرها من أفكار لم تخرج عن نطاق ما طرحته الأساطير القديمة، بهدف تحقيق الخلود.

ودرج استعارة الكلمة لوصف كل ما هو جامد خالٍ من الجاذبية، أو استعارتها لوصف فداحة موضوع ما إذ يقول أحد الأدباء «الموت بالنسبة لي هو حين أكف عن القراءة والكتابة» أو ربما يتربع عنواناً لإصدار ما بطريقة تبين أهمية شيء ما لدينا مثل «حب أبعد من حدود الموت» وغيرها الكثير.. الكثير من العناوين.

ومهما قيل يبقى الموت بتوظيف مفاهيم التحليل النفسي في تفسير المعتقدات الجماعية «إنه الانتقال في مواجهة قلق الموت من آلية دفاع عصابية، إلى آلية ذهنية وهي الإنكار. وربما يدفع هذا الإنكار الناس لمزيد من الإبداعات، والتطور، وربما الكثير من الكوارث البشرية، ومهما أضفنا من ذاتنا وحاولنا أن ندجنه أو نرفضه، أو نسلم به، لن يخرج الموت عن مفهومه، وواقعه المسيطر على البشر.

Abeer_younes@hotmail.com