يغبط المرء نفسه على الاحتفاليات المتكررة والمكرسة لأحد أهم الركائز الأساسية للثقافة ألا وهو الكتاب، والاهتمام اللافت والمتصاعد به في كل موسم؛ ولكن! قبل أيام انطلقت الدورة السابعة عشرة لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب بمستوى رفيع وحجم غير مسبوق من التنظيم ميزه عن الدورات السابقة في جوانب مختلفة، ومنها ضيوف المهرجان، المتمثل في حشد 1000 شخصية من رموز الثقافة والفكر العربي والعالمي لإحياء وإثراء فعاليات هذا الحدث المهم.

ولعل في ذلك ما يشكل جانبا يمنح هذا التوجه دفعة تؤكد حقيقته كمشروع جدي في أجندة عقد التنمية الثقافية العربية، والمستدامة. إلا أن هذه التظاهرة المنتظرة الجميلة، المحملة بالبرامج المتنوعة والنوعية، والموزعة على مدى أيام المعرض، قد خلت من مشاركة المثقف المحلي، ولم يدرج دور لأحدهم ضمن هذا الحشد من الأعلام البارزة لشخصيات عربية مؤثرة، إلا في الحدود الدنيا، بل ولعلها مشاركة هامشية وغير مباشرة ربما.

وهو الوضع الذي أثار حفيظة شعراء وكتاب وأدباء ومثقفي البلد من جهة، ومن جهة ثانية شرَّع بوابة اللغط والتهكم الأزليين على مصراعيها لما يجري على المبدع والمثقف المحلي، وفيما إذا كان ذلك تهميشا له أو إقصاء متعمدا، أو أنه بسبب غياب الثقة في أهليته للتمثيل الفعلي في ميدان إثبات الكفاءة لمنتجه الفكري والثقافي من خلال الرؤية والأداء، وعدم قدرته على المنافسة الإبداعية والمجاراة على المستوى الإقليمي على الأقل!.

ولعل السؤال الجائز على سبيل المثال هنا.. هو كيف انطلقت قامة كقامة الشاعر العربي (الموهوب) محمود درويش؟ أولم يُخلق في بلده فلسطين أولا، ثم صنعته القضية، وحلَّق به مارسيل خليفة بموسيقاه فيما بعد؟.

لا شك بأن المبدعين هم أولا صناعة أوطانهم، واحتضان مجتمعاتهم قبل أن تجتاز أسماؤهم الحدود، وقبل أن يحضروا في المحافل، وقبل أن يعم ذكرهم الأجواء.

لكن بعض المثقفين لدينا لم يترددوا في إدانة زملائهم من المثقفين الإماراتيين أنفسهم، وأن وضعهم (المهمش) اليوم صنيعة أيديهم، فحين تُركت لهم مسؤولية الشأن الثقافي لم يقدموه كمشروع نهضوي، بقدر ما اتخذوه وسيلة للاستعراض وفرض الرأي (بنحر) الرأي الآخر، وإشعال حروب خفية وعلنية، والعمل على (تفخيخ) ساحات ومواقع بعضهم، للزج ببعضهم خارج دائرة التأثير! حتى أخذت المؤسسة الرسمية بيد هذا القطاع مجددا للنهوض به.

فهل أجهز المثقفون على الرمق الأخير من طاقاتهم الإبداعية فأمسوا على هامش الفعل الثقافي بلا دور يؤدونه، أو دور يكلَّفون به؟ وهل تم فعلا سحب البساط عنهم من كل الجهات كما يُعلن الشامتون؟!

وهل ينفي ذلك حاجة مثقفينا إلى الدافعية والدعم لكي لا يستمروا في الظل أكثر؟ وإلى متى تبقى عملية الاشتغال على إبداعهم فردية وشخصية، ومن قِبلهم فحسب؟! على الرغم من حسد الآخرين، على ما يتمتع به المثقف في الإمارات من مناخ سوي يهيئ للإنتاج الفكري والإبداعي في خصوصية لا تتمتع بها أي منطقة عربية أخرى، وإنما تمتاز بها دولة الإمارات!

falhudaidi@albayan.ae