من بين سطور الكلام المكتوب يحدث أحياناً أن يسقط سهواً اسم أو قول أو عنوان. ويحدث أحياناً أن تُلغى جملة، إما للضرورة المكانية أو لضيق مساحة صفحة الكتابة، فقد تجتزئ فقرة أو تختل نقطة فتزل عن موقعها، ومثل هذه الأخطاء غير المقصودة مرهون عادة بعجالة الصف والتنضيد، ومع الاعتماد الحالي على التقنية الحديثة يحدث أن تقع بعض الأخطاء الفنية أوالتقنية حين تختل بوصلة البرمجة الالكترونية.
وفي سباق الخبر مع الزمن يحدث أن تقفز فقرة أو تسقط فقرة أو تستبدل مكانها بأخرى؛ عادة يحدث ذلك من باب الخطأ الوارد غير المقصود، فتأتي المعلومة منقوصة أو مغلوطة، وإذ يحدث ذلك فكم نصاب بالضيق وبالغبن.وكل من تلك.. أخطاء عفوية بسيطة؛ لكن إن حدثت في اللغة العربية؛ فإنها بالضرورة تؤدي إلى معان مختلفة، وتبتعد عن الفكرة الأساسية إلى غير ما هدفت إليه، بل وتؤدي بالمعنى إلى أبعاد تكون العكس أو النقيض؛ فيشلنا الانزعاج والغضب.
اللغة العربية وعلى الرغم من ثرائها الدلالي والضمني فالخطأ فيها فادح ليس أحياناً بل غالباً؛ لأنها من أدق وأكثر لغات الإنسانية حساسية وتأثراً بالتغيير ولو في حركة تأتي بين جر الكسر وفتح النصب وضم الرفع.. أخطأ أحدهم مرة في قراءة الآية القرآنية الكريمة (أَلْهاكُمُ التكاثُرُ) فقرأها.. إِلاهُكُم التكاثر، ولكم أن تتصوروا البون الشاسع بين المعنيين الحقيقي الصائب والثاني الخطأ.
ومن يدرك معاني اللغة ويتبحر في مفرداتها فإنه يفوز بغنيمة عظيمة، أقلها أن تؤمّنه من غلبة المتلاعبين عليه بالألفاظ.
إن رهافة العربية تتساوى مع بلاغتها المتناهية، والخطأ فيها يمكن دائماً تصويبه ببساطة، وببساطة يتم الرجوع عنه، ما لم يكن متعمداً بقصد التكريس.
نتحدث عن الأخطاء المحتملة في صياغة الكتابة أو في سياق الكلام، وما قد تؤدي إليه أو به من انتقاص لحقيقة أو لمعلومة، وما قد ينتج من خسائر أو إشكالاتٍ وخلافات، بل وما قد تُشعله من معارك كلامية و سجال سفسطائي قد يبدأ ولا ينتهي إلا في ساحات القضاء وقاعات المحاكم.
فكم من خطأ غير مقصود سبق إليه ختم أممي فأحاله من حق إلى باطل، ومن صك براءة إلى دليل إدانة. وكم من كلمة شابها خطأ إملائي أو طباعي فجدّفت إلى غير وجهتها فتغير معناها المقصود والتصق بها المعنى المخالف تماماً. وشخصياً حدث معي ذلك مرات؛ بسبب (خيانة) آلة الكتابة، أو قلم المدقق المستعجل وقد ضّيق عليه الوقت الخنّاق.
إلا أن جُل ما يخشاه المرء اليوم، لا يكمن في نتائج أخطاء غير مقصودة فحسب، بل تلك المتعمدة بسبب الاستسهال أو اللامبالاة. هناك الاعوجاج في اللسان، والكلام المشوَّه، والكتابة المختلة، ولو استشهدنا بالقليل من هذه الأخطاء لاحتجنا لصفحات تتجاوز هذه المساحة.
مأساة اللغة العربية اليوم في ما تتعرض له أوصالها من تكسير، وما يطال مفرداتها من تشويه خاصة حين تُكتب على لوحات المتاجر وأسماء المحلات... أخطاء من فداحة التشويه تصل حدّ الوقاحة، أخطاء حدَّث بها.. بل.. وبحرج!.
falhudaidi@albayan.ae