وصلت إلى القطار الذي سيقلني عبر سيبيريا وأنا محمّل بكتبٍ، ظناً مني أنه سيكون لدي وقت طويل خلال رحلة القطار التي ستقطع 228,9 كيلومتراً. اكتشفت أن القراءة أيضاً أمر محال بسبب الحركة التي يسببها القطار وغياب ماصات الصدمة الجيدة فيه. كل ما بوسعي القيام به هو التفكير وتدوين بعض الملاحظات عند التوقف عند إحدى المحطات.

ـ ـ ـ

رباه، احم شكوكنا، لأنها طريقة من طرق صلاتنا. فهي من تجعلنا نتطور، لأنها تجبرنا على النظر بلا خوف إلى أجوبة جديدة لسؤال واحد. لكي يتحقق ذلك، احم قراراتنا يا رب، لأنها طريقة من طرق صلاتنا. وامنحنا الشجاعة، بعد الشك، كي نختار بين طريق وآخر. رباه وحد كلمتنا. وما إن نختار طريقنا، لا تجعلنا نلتفت إلى الوراء أو اجعل الندم يأكل أطراف أرواحنا.

رباه ليتحقق ذلك، احم أفعالنا ، لأنها طريقة من طرق صلاتنا، اجعل خبزنا اليومي فاكهة أفضل ما نحمله في دواخلنا. ربما نتمكن من خلال العمل والحركة أن نتشاطر القليل من الحب الذي نستقبله. ولكي يتحقق ذلك، احم أحلامنا يارب لأنها جزء من حياتنا. وتمكننا ـ مهما كانت أعمارنا وظروفنا ـ من أن تحيي بارقة الأمل والمثابرة.

ولكي يتحقق ذلك، املأ قلوبنا بالحماسة دائماً، لأنها طريقة من طرق صلاتنا. هذا ما يربطنا بالأرض والسماء، وبالرجال والأطفال، ويخبرنا بأن الرغبة مهمة وتستحق جهودنا. وهذا ما يؤكد لنا بأن كل شيء ممكن، طالما أننا مرتبطين بما نقوم به.

ولكي يتحقق ذلك، احمنا يا رب لأنه ليست هناك طريقة أخرى يظهر لنا معجزتك. ربما ستستمر الأرض في تغيير البذور إلى قمح، ربما سنستمر في تحويل القمح إلى الخبز. ولا يتحقق هذا إلا إذا ملكنا الحب، لذا لا تذرنا وحيدين. كن معنا دائماً، وهب لنا رفقة رجال ونساء ممن تساورهم الشكوك، ويتصرفون ويحلمون ويصبحون متحمسين ويعيشون وكأن كل يوم مكرس تماماً لعظمتك.

ـ ـ ـ

أعتقد أن قراءة مقالي تستغرق ثلاث دقائق. ووفقاً للإحصائيات، في هذه الفترة القصيرة نفسها فإن 300 شخص سيغيبهم الموت وسيرى 620 آخر النور. وتستغرق مني كتابة عمود نصف الساعة ربما: هنا أجلس، على جهاز الحاسوب أركز ناظري، والكتب مكدسة إلى جانبي هنا وهناك، تدور في ذهني أفكار، سيارات تمر خارج منزلي. حولي يبدو كل شيء عادياً، غير أنه في غضون نصف الساعة هذه، قضى ثلاثة آلاف شخص نحبهم ورأى 6200 النور للمرة الأولى.

أين كل أولئك الآلاف من العائلات الذين بدأوا يبكون عزيزاً اختطفه الموت، أو يضحكون لميلاد ابن، أو حفيد أو أخ؟ توقفت وفكرت لبرهة: قد تكون حالات الوفاة هذه قد بلغ فيها السقم الطويل والمؤلم مبلغه. علاوة على ذلك، بلا شك فإن مئات الأطفال الذين رأوا النور للتو سيُقطع الأمل فيهم في غضون دقيقة، وسيصبحون في عداد الموتى قبل أن أفرغ من كتابة خاطرتي هذه.

يا له من تفكير! إحصائيةٌ بسيطة وجدتها مصادفةً، شعرت من خلالها بكل تلك الخسائر والصدمات والابتسامات والعبرات. كم من الأشخاص الذين غادروا هذه الحياة، في غرفهم وحيدين، من دون أن يدري بهم احد؟ كم من الأطفال سيولدون سراً، كي يتم التخلي عنهم على عتبة أبواب الملاجئ والأديرة؟

ومن ثم فكرت بأن اسمي كان في إحصاءات المواليد وسيصبح ذات يوم في عداد الموتى. من الجيد أن أكون على دراية تامة بأن روحي ستفيض ذات يوم. عندما شققت طريقي إلى سنتياغو أدركت أنه على الرغم من أن الحياة تمضي قدماً الا انه سيكون لهذا الوجود ذات يوم نهاية.

قليلاً ما يفكر الناس بالموت. فهم يقضون حياتهم بالقلق حيال أمور تافهة للغاية، بالتخلص من اللحظات المهمة ووضعها جانباً. وهم لا يخاطرون بشيء لأنهم يعتقدون أن ذلك خطر. ولا يكفون عن التذمر، ولكنهم يتصرفون كالجبناء عندما يحين الوقت لأن يأخذوا خطوات محددة. يريدون تغيير كل شيء، ولكنهم يرفضون أن يغيروا أنفسهم.

إن فكروا في الموت قليلاً. لن يفشلوا في إجراء الاتصال الهاتفي الذي أرجأوه. وسيغدون مجانين قليلاً. ولن يخافوا من نهاية هذا التجسيد، لأنه ليس بإمكان المرء أن يخشى من شيء سيقع لا محالة.

يقول الهنود: إن هذا اليوم جميل بقدر يوم آخر كي نستمتع بهذا العالم. وكما قال أحد السحرة: فليقبع الموت إلى جانبك دوماً. بهذه الطريقة، إن هممت بالقيام بأمر مهم، فإنه سيمنحك القوة والشجاعة اللتين تحتاج إليهما.

آمل أن يلازمني هذا الأمر حتى هذه اللحظة. فمن السخيف أن يدع المرء الأمور السخيفة تقض مضجعه، لأنه عاجلاً أم آجلاً سنودع جميعنا الحياة. والذين يقبلون بهذا الأمر هم فقط المستعدون للحياة.

ترجمة: كوثر علي