من أركان المسرح الأساسية وشروطه؛ الجمهور. مسرح بلا جمهور ليس مسرحاً، هكذا تعلمنا، وتعارفنا عليه على مدار الكرة الأرضية، وعبر مئات السنين، ومنذ ظهور الممثل الأول. أفرزت أيام الشارقة المسرحية في هذه الدورة، ظاهرة التواجد الكثيف للجمهور، مؤكدة على واحدة من مهام تأسيسها منذ البداية وهي ظاهرة متكررة في كل دورة، الأيام تجلب معها جمهوراً كبيراً.

كل ليلة، وعبر عرضين مسرحيين أو أكثر، يفترش الجمهور، أرض الممرات، وجوانب الصالة، ويتجمهر عدد منهم عند بوابة صالة المسرح والسعيد هو من يحصل على كرسي شاغر يجلس عليه. أنا أعرف تماماً أن مع كل فرقة يأتي جمهورها الخاص، تماماً مثلما يفعل فريق كرة القدم، وهذه حالة صحية أشير إليها وأدعو إلى تكريسها من أجل تعويد الناس للحضور إلى المسرح، ليس في المهرجانات فقط إنما في عروض الموسم المسرحي.

كما لا بد أن نعوّد هذا الجمهور لحضور مسرحيات الفرق الأخرى، ليتسنى له المقارنة بين العروض، ويصبح فاعلاً في تقويم الفريق الذي ينتمي إليه، ويدفعه للتطور والإنتاج المستمر، لا الارتباط بالأيام فقط. أقول هذا الكلام، لأطرح تساؤلاً مهماً، نعاني منه في العروض الموسمية، إذ يتراجع هذا العدد الكبير الذي يتزاحم على بوابات صالات المسرح في أيام الشارقة المسرحية، وتظل العروض الموسمية تستجدي هذا الحشد.

إننا لا بد من العمل على تطوير هذه الظاهرة، وتكريسها، وزرع الوعي في صفوف جمهورنا ليتواصل مع العروض المسرحية خلال الموسم ويتواجد في الصالات خلال العروض الأخرى، وألا يقتصر العرض على ليلة يتيمة واحدة ويذهب الممثلون والعاملون يحلمون بليلة أخرى، قد لا تتكرر.

إن جهد أيام طويلة من المخاض والتمرين والعذاب والمعاناة لا يمكن أن يختصر على ساعة العرض لليلة واحدة، إنما لا بد أن يمتد لأيام تعويضاً لهذا الجهد، وتطويراً لقدرات الممثل، وتعميماً للفائدة، وتكريساً للقيم المسرحية الفنية العديدة، التي لا يمكن أن تكرس دون إعادة العرض المسرحي ولعدة مرات.

ليست هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها عن ضرورة تكريس ظاهرة جمهور المسرح خلال أيام الشارقة المسرحية، إنما أجد أن الضرورة تقتضي أن نكرر دعوتنا، ونركز على الجوانب الإيجابية ونرسخها، وندعو جهات الاختصاص والفرق المسرحية لاحتضانها وتطويرها والاستفادة منها، أسوة بما تفعله النوادي الرياضية مع أنشطتها،

خاصة تجربة كرة القدم الناجحة في الملاعب، وهذا ما أكده بريشت لطلابه وسجله كقاعدة في منهجه ودعا للاستفادة من التجربة الرياضية وتعميمها على المسرح، لخلق جمهور مسرحي يرتبط بالمسرح عن وعي وحاجة وانتماء لا ارتباط آني عاطفي تمليه الصداقة أو الجوار أو المنطقة أو القرية ... إلخ

مرة أخرى.. المسرح والجمهور علاقة جدلية، لا يمكن الفصل بينهما، وعلى كل العاملين في المسرح مهمة دراسة وسائل تطوير الجمهور وتنميته والعمل على تطوير تقنيات الممثل، أو بناء كاتب مسرحي، أو قضايا المسرح الحياتية الأخرى.

abdulelah_q@hotmail.com