تتجدد الشكوى ولن تتوقف طالما ظلت الأفكار مشاعة فهي كما قال الجاحظ مطروحة في الطرقات وعلى المرء أن يلتقطها.كثيرون ممن يدركون هذه الحقيقة عادة ما يغفلون عن الاحتفاظ بأفكارهم داخل جماجمهم حتى تتشكل وتنضج وتكتمل، ومن ثم تجد فرصتها لدى مسؤول يمتلك مساحة من الشجاعة والاقتناع لرعاية الأفكار الجديدة وتشجيع أصحابها فيبارك تنفيذها بالشكل المطلوب.

وبمجرد أن يزل لسان أحدهم عن فكرة لمشروعه الخاص لا تلبث أن تمر أيام حتى يجدها قد أُطلقت تحت اسم سين من الناس فلا يملك ساعتها تلك أو ذلك المغبون، إلا الصدمة والانفعال ثم القيام بمحاولات تبدو عاجزة للإثبات بأنه والد الفكرة الشرعي ومالكها الحصري؛ لكن لا دليل موثقا يسند به دعواه. فهل يعتبر سين ذلك لصا؟! وهل يمكن القبض عليه أو توجيه الاتهام إليه، ولو من مبدأ الجزاء الأدبي؟

زميلتي أقبلت عليَّ يوم أمس محتقنة بالغضب حيث تعرضت للسرقة هي وفكرتها، حاولت عبثاً أن تستردها وأن تنفذها كما كانت تحلم؛ لكن حقوق السبق قد مُنحت إلى غيرها.. إلى من التقط مشروعها من ثرثرتها الواثقة في استمزاج رأي يمكن أن يشجعها وربما لو تكرم مستمعها بإضافة ما، مما قد لا توضع في الاعتبار، حيث قد لا تزيد عن ابتسامة مواساة؛ لكنها كانت ستمنحه امتنانها لما تعتبره مشاركة منه ولو كانت مساندة معنوية.

في أغلب الأحيان وخاصة في مجال الكتابة هناك كثيرون من الذين يفكرون بصوت مسموع كما يوصفون، فهم يستأنسون بآراء الآخرين، وذلك ليس لقصور في رؤاهم وإنما لكون هذا الأسلوب من طبيعة عملهم القائم على استمزاج انطباعات الناس حول أمر من الأمور حتى تتبلور الفكرة لديهم ومن ثم إمكانية التخلص مما قد يشوبها من سلبيات قد تعيق انطلاقها أو تقلل من جدواها، أو ربما يضيء لهم ذلك إضافة أخرى قد تتفتق من تراكم أكثر من رأي قبل طرحها، وكل ذلك بهدف تنقية الفكرة لتعميم الفائدة.

لكن ماذا يفعل إنسان اليوم الموظف أيا كانت طبيعة عمله إذا كان تقييمه مرهونا بحجم الابتكار وكم الأفكار التي يرفد بها مؤسسته؟ تجده يقدح ذهنه طوال الوقت، وحين تلمع في رأسه فكرة موضوع ما، فإن أقصر الطرق لتنفيذها وتقديره، هي الطريق المؤدية إلى مكتب مسؤوله المباشر، فلا يتردد في الهرولة إليه تسبقه بهجة المنتصر على الركود، وحيوية الخارج عن الروتين؟

لكن عادة ما يقع ذلك المسؤول في مغبة التلقائية والعفوية الموصوفة باللامبالاة، وأحيانا من دون قصد فيعلن عن فكرة موظفه النجيب، ولعله بذلك يهدف إلى تحفيز الآخرين للحذو مثله؛ لكن هؤلاء الآخرين لا يترددون ولا يخجلون من خطف الفكرة لصالحهم، أو كنهج ابتدأه بعض مثقفي وإعلاميي هذه الأيام، ذلك هو مبدأ إما سرقة الأفكار وإلا حرقها على مبدأ نيرون.

falhudaidi@albayan.ae