لطالما أكد الكاتب العالمي باولو كويلو على تأثره بالتراث العربي واستقائه للكثير من رؤاه وأفكاره من الفلسفة الإسلامية، واستناده إلى أبعاد ثقافتها الشاملة. فإن كانت الثقافة الإسلامية والتراث العربي ذخيرة من الإلهام لمبدعين لا ينتمون إلى مكنزه أصلا ولا ممن شملهم نطاق فلكه؛ ومع ذلك فقد فتح لهم منجمه و أتاح لهم أن يغترفوا من خزائنه ليقدموا روائعهم الأدبية البارزة. فهل يبخل هذا التراث إذن على مريدي فلسفته الأساسيين وعناصر ثقافتها؟! وكيف يفعل بهم ذلك؟! ومن الأولى بهذا المنهل؟

وهل يعجز العربي حقاً عن الانفصال عن الماضي، والتنكر له تماماً كما يعجز عن الانفصال عن الحياة، ليبقى بذلك حائراً بين الحاضر والماضي، فيلومه على ذلك المفكرون والباحثون العرب أنفسهم قبل غيرهم؟! خاصة وهم يؤكدون على أن العرب.. (قد يتسامحون كثيراً مع من ينقد حياتهم؛ لكنهم يرفضون التسامح مع من يَنتَقِد تاريخهم). إن ذلك الوضع الذي وصل إليه الفكر العربي والإسلامي مرده كما رسخ في قناعة كثيرين، هو التعامل مع التاريخ كما لو كان من المسلَّمات المقدَّسة التي على المرء قبولها والخضوع لها بل والامتناع عن التساؤل حولها، لِتكْمُن في ثنايا ذلك التوجه عثرة الانطلاق الحر نحو الإبداع.

يذكر أحد المفكرين العرب مثالاً يلخص به وضع الثقافة العربية فيقول.. لو أن شخصاً ما رسم صورة لوجه إنسان ورسم له عيناً واحدة فقط فإن أول ملاحظة ستكشف سريعاً الخطأ في الرسم، ولن يتريَّث المرء قبل أن يقول تنقصها عين؛ ولكن لو رسم صورة لوجه من مرآة أي أنه رسم الوجه معكوساً وقدمها إلى الناس فقد يراها ملايين الناس ولمدة طويلة من السنين دون أن يلاحظوا أنها معكوسة. بذلك المشهد يؤكد د. شحرور أننا نحن العرب المسلمين مأسورون لمسلًّمات قد يكون بعضها معكوساً تماماً.

إن تلك الاعتقادات تحمِّل الذهنية العربية المسلمة مسؤولية عدم تجددها ومسؤولية توقفها عن الإنتاج الفكري التنويري والتوعوي، الأمر الذي أدى إلى ما يصفه مفكرو اليوم بكارثة الثقافة العربية المعاصرة، تلك الثقافة المستوردة عن طريق لغة الترجمة الصامتة البعيدة عن الواقع، كما يؤدي إلى تكرار إطلاق مقولة إن أحلام العرب دائماً خلفهم!

falhudaidi@albayan.ae