بتلك الكلمتين رد أحدهم معلقاً على ما كتبه آخر تحت عنوان (إني أبيع وطني فمن يشتريه...؟؟؟!!!) قد لا يُستفز البعض من مثل هذه الأفكار والتعليقات المنتشرة على صفحات المدونات، كما قد لا تترك أثراً لدى البعض الآخر فيمر عليها مرور الكرام؛ لكنها أيضا قد تستوقف البعض ولو من باب الفضول ليس إلا. وقد يبدو بيع الوطن من طراز الأفكار السوريالية أو الفنتازية، ابتكرها أحد المحبطين ربما، إنما الموهوبون أيضا؛ لكن هل تبقى فكرة بيع الوطن محض فكرة عبثية؟!
لاشك في أن المشاكل التي يعاني منها غالبية الشباب اليوم لا تخرج عن مربع الأزمات.. الاقتصادية.. السياسة.. الاجتماعية، والثقافية. وحين ينبري أحدهم لبيع وطنه، فإنه بذلك يعبر عن مدى السوء الذي وصل إليه وضع وواقع الشباب خاصة في العالم العربي.. هذا من جهة، ومن جهة ثانية ليحقق برسالته صدى لولبي، لذلك فإنه اختار أن يخرج عن السرب كله، ذلك السرب الذي لا يزال ينادي بعودة الوطن السليب، ويستميت لإخراج المحتل، ويؤمن بضرورة استعادة الحق وإرجاع الأرض لأصحابها كما يؤمن بالحوار والمفاوضات.. مع ذلك اختار الخارج عن النص أن يبيع وطنه؟!
فحين يصل الوضع بالمرء لأن يتخلى عن وطنه ويصرح ببيعه؛ إنما هو يوجه رسالة موجعة، وقد تكون رصاصة ما يسمى بالرحمة!! لكن ماذا لو كان التصريح مؤشرا حقيقيا، وأنه يعكس حقيقة مشاعر شباب اليوم؟! شبابا كانوا يرون الوطن أمانا للخائفين؛ لكنه اليوم ملاذا للخائنين!
أو كذلك الذي استسلم لضياع وطنه؛ فبعث من يبحث له عنه لعله يجده فيعيده إليه! أو ذلك الذي حاصرته الغربة فاعتبر الوطن مجرد أسطورة مرت ذات شتاء في حكايات الجدات! أو حين تبدو جدية الفكرة في نصيحة أحدهم بعدم البيع لأنه لن يقبض الثمن! بمثل هذه الأفكار يتداول الشباب قضاياهم بحرية.
ويترجمون أنفسهم عبر الشبكة العنكبوتية بلا رقيب؛ لكن تبقى فكرة بيع الوطن مجرد صيحة لتحفيز مشاعر الانتماء وتجديدها، حيث يعلق أحدهم (لن ينجح في بيعه، وإن نجح فلن يشتريه إلا المعلن نفسه مجددا)، وآخر..(هو وطن تائه نعثر عليه يوم نعثر على أنفسنا) وأما الثالث فيؤكد أن (للوطن دارا لا يستطيع أحد سلبها منا ولا دخولها دون استئذان ألا وهي قلوبنا).
لقد ظل الفكر العربي وعلى مدى قرون متهما بالسطحية والضحالة، وموسوما بقزمية الرؤى، واستمرت النظرة المجحفة إليه زمنا، حتى ترسخ الاتهام فطال شبابه اليوم، ومن ثم تم التشكيك في قدارتهم الابتكارية، واستعداداتهم العلمية والأدبية والإبداعية، بينما هم يمتلكون مساحات من الوعي القوي، والفكر الناضج، والمهارت المخزونة، مما يؤهلهم لاكتساح فرص المنافسة في أي مجال. فهل تبقى الشبيبة ثروة مهملة؟! أم سيحظى ولو بعضهم بشيء من فرص إبراز هذه القدرات وإثباتها؟ وهل يكمن احتياجهم الأساسي في الثقة بهم؟!