الفكرة والكلمة في سباق أبدي في ذهن المرء والكاتب على وجه الخصوص والغلبة دائماً للفكرة لأنها تقطع أشواطاً ضوئية في الفضاء المفتوح لخياله المنطلق، متجاوزة أنامله منذ الكتابة الورقية وحتى بعد اعتماد الأتمتة في الكتابة.
وفكرة اليوم فرَّت هاربة عن مفاتيح الحروف المصفوفة على الحاسوب، أخذتُ بمطاردتها لكنها أَبَت أن تتريَّث أو تخضع لي، وإنما استدرجتني فأخضعتني لأجوائها هي.. وكأنها بستان من الزهور، فكانت الغواية أكبر من مقاومة محبطٍ استسلمَ لاختطاف فكرة. وليس هناك من يختلف في محبة الورود والزهور، وقدرتها على تحويل الانطباعات وتهذيب الأمزجة.
فالباقات المعطرة بالأريج لا تحضرك ولا تُهدى إليك إلا لدلالة هدفها الأول والأخير غبطتك وإسعادك، وفي سبيل ذلك لا يتردد المحبون أمام باقة من الزهور مهما بلغ سعرها، وقبل أيام وصل سعر باقة ورد (000. 30) درهم بمناسبة يوم الحب!
وللزهور تاريخ وحكايات فهي المادة الأمثل والأجمل للتهادي بين عموم الناس وخاصتهم، واستحقت أن تتغنى بها القصائد وتصدح لها الحناجر، ويتوَّج بها المنتصرون، تجَمِّل المجالس وتتصدر المداخل. تتسمى بها الفتيات، وتشبكها العذارى في جدائلهن ثم تحتفظن بها في دفاترهن.
وإن تحدثنا عن إبداعات الخالق في هذا الجانب الجميل الذي يفضِّل اصطحابه غالبية الناس العظمى؛ فلن نصل إلا إلى جزءٍ يسيرٍ من أسراره، ولن نُحصيَّ جل فوائده. وعلى مر العصور كانت الزهور وما زالت زينة وتَطبُّبا وتَطيِّبا نظراً لخصائصها المظهرية والعطرية.
وقد عرفت اللوتس كأقدم زهرة امتدت شهرتها من عهد الفراعنة حتى يومنا وإلى ما شاء الله. ولعل كليوباترا أول من تَضمَّخت بزيت الياسمين؛ إلى أن أطلت علينا ماجدة الرومي وقد تجللت بإكليلٍ منه كان ذلك طوق نزار قباني.
ولكل شعوب العالم زهورهم وروائحهم المعتمدة التي تصاحب احتفالاتهم، فالفاتيكان أكبر مستورد للُبان العربي من عُمان لتُبَخَّر به الكنائس في المناسبات الدينية، والصندل له مكانة عالية في الطقوس الهندوسية بسبب طبيعته العطرية ومزاياه الطبية، وقد التفت إليه الطب الأوروبي مؤخراً.
والأوروبيون يعتمدون زهرة النبلاء ذات الورقة الواحدة الحمراء يتوسطها إصبع أصفر واحد يشير دائماً إلى السماء، أما الشعوب العربية؛ فلقد سبقت إلى ذلك.. إذ ارتبطت ومنذ الأزل بالورود، تداوت بها وتعطرت بأريجها.
وعلى الرغم من الطبيعة الصحراوية لمنطقة الخليج التي لا تشي بوجود مثل هذه النعمة؛ لكن تعددت أزهار بيئتها وورودها؛ نذكر منها الطائفي وهو أجودها وأغلاها، يُقطَّر منه كميات محدودة في كل عام، والحَظيِظ من يحجز قارورته مبكراً، وزهرة الخزامى تنمو في الأراضي الصوانية وتوجد في المملكة العربية السعودية.
وهو أزكى نباتات البادية، تفوقها زهرة الكادي؛ تشبه النخلة لكنها لاتصل لطولها، ساقها قائمة، قليلة التفرُّع عند القمة لها جذور دعامية، أوراقها ضيقة مستطيلة تشبه السيف، تُزرع في الإمارات واليمن ومناطق أخرى وتنبت في الأماكن المرتفعة الخصبة، رائحتها زكية يطول بقاؤها وينتشر ضَوعها لمساحات واسعة.
إلا أن أعظم زهرة في ذاكرة ووجدان وواقع الأمة العربية والإسلامية؛ هي ما شدت لأجلها جارة القمر فيروز.. إنها زهرة المدائن مدينة القدس العتيقة الحبيبة.