انتشل المخرج الاسباني لويس بونويل ذاكرته من قاع النسيان، عندما كتب مذكراته، وهو بهذا لم يكن الأول أو الأخير.

وما دفع لويس للكتابة مراقبته لحالة النسيان التي بدأت تصيب والدته، واثقا انه قد يصل يوما إلى مرحلة شبيهة بحالتها ستنتج عن تقدم السن، مع انه أشار في مستهل مذكراته بما معناه «قد أكون نسيت بعضا من الأحداث، أضفت أخرى، ولكن هذا أنا وعليكم أن تتقبلوني كما أنا».

والموضوع يعمم على كل من كتب مذكراته فالإضافات واردة، تحريف الأحداث وارد أيضا، إخفاء الكثير.. الكثير من الأسرار وارد دائما.

وهذا ما دفع أحد الفلاسفة للقول «لا يمكن أن يتحدث الإنسان عن الماضي دون أن يتأثر بأحاسيسه الآنية».

إذا قد تبدو المذكرات جزءا من عمل إبداعي، أو حياة مصاغة بطريقة جديدة بعيدا عن فكرة نبش بعض الخبايا، ففكر كاتب المذكرات أيا كان شخصية أدبية أو سياسية يجعله يركز على جوانب دون أخرى، كي لا تكون الأحداث مجرد كلام عادي، أو سرد يومي لا يحمل أي معنى ولا يضيف الجديد.

وهذه الطرق وغيرها تجعلنا نثق أكثر بأن الذاكرة هي محرك الأحداث، حتى لو كان كاتبا فلا بد أن يستند على ما سمع وقرأ وشاهد، وعايشه أو عاشه غيره، إنها أحداث تشكل الذاكرة التي ترتبط بالخيال الإبداعي، والذي بدوره يستمده من الذاكرة، فالخيال ينتج عن ربط حالة مستقرة في ذاكرته مع حالات أخرى ومعلومات مختزنة، تصاغ بطريقة إبداعية.

فالذاكرة عند المبدع تصل في الكثير من الأحيان إلى أنها فكر ورأي وانتماء، وهنا لا يجب إغفال أن ذاكرة المبدع الشخصية جزء من الذاكرة الجمعية، التي أشار إليها عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي «موريس هالبواكس» موضحا تأثيراتها الواضحة على الأبحاث الحديثة حول ذاكرة العلوم الثقافية، حيث تبلورت عبرها نظرية الذاكرة الجمعية، والتي تعتبر أن عملية التذكر الفردية لا يمكن أن تنشأ أو تتم إلا ضمن إطار اجتماعي معين، بحيث ربط هولبواكس في دراساته حول الذاكرة الجمعية والذكريات الشخصية للفرد بالمجتمع الذي ينتمي إليه واعتبر أن الإطار الاجتماعي، والذي تنشئه ثقافة مجتمع ما، يعزز وضع نمط جمعي يجعل الخبرات الفردية قابلة للتذكر والتفسير.

إذاً لا بد هنا أن نعود إلى ما قاله بونويل «بأن ذاكرتنا هي حياتنا، ومن غيرها لن نكون شيئا».

ولكن كم من المجتمعات تحترم ذاكرتها؟

ربما هذا ما يجعلنا نتيقن ان المبدعين أكثر من يحترمونها، ينعشونها، ويصيغوها من جديد ليتركوها للتاريخ، لتشكل في النهاية تراكماً جديداً في الذاكرة.

Abeer_younes@hotmail.com