ظلت الحماقة على رأس قائمة العلل الأزلية التي أَعيَت مَن يداويها، ولدرجة اليقين بدا أنها ستحتفظ بالصدارة إلى الأبد. قيل في هذا الداء شعرا كثيرا .. هجاءً مرة وسخرية مرة وتحذيراً وشفقة وندماً مراتٍ ومرات، ومنذ عصور رُصِفت على هامشه آثار الأقوال والعبر والأمثال. ولكم جنت الحماقة على أصحابها ومرتكبيها وعلى سواهم من كُرب، ولكم جلبت إليهم من نكبات، وكم أفقدتهم من مكاسب.
لكن في أيامنا هذه تفشى داءٌ كما لم يتفش في عصور سابقة؛ داءٌ أخذ يزاحم الحماقة وينافسها ويفوقها شدة وفتكا. داءٌ بدأ يستشري ويتغلغل إلى نفوس الكثرة إن لم تكن الغالبية ممن يليق وصفهم بمحدثي النعمة. وإن كانت الحماقة داءً ظاهراً تسهل ملاحظته، ويمكن تجنُّب حامله أو المصاب به أو على الأقل تفادي نتائجه؛ إلا أن خطورة داء العصر تكمن في استتاره في نفوس حامليه، وإمعانهم في إخفائه إلا عن الخاصة منهم أو بالتعبير الحديث (الشلة) يوصف صاحبه بالباطني، لأنه يُظهر عكس ما يُبطن، وبذلك تتعذّر بل وتصعب ملاحظة داء النفاق، ومعرفة المنافقين أعاذنا الله وإياكم منهم.
زاد المنافقون بيننا.. غمروا محيطنا، وتحلّقوا حولنا.. أقاموا على الرحب والسعة عاشوا وعملوا معنا، ومع كل ذلك لا يمكن معرفتهم أو اكتشاف نياتهم، لأنهم خير من يصطنع الابتسامة الصفراء وخير من ينطق الكلمة المعسولة المدهونة بالشهد المُسمم.
لكن وإن صَعُب كشفهم غير أنه لا يستحيل؛ لابد الله يكشفهم، ثم حماقتهم لابد أن تنزع عنهم سترهم وتُسقط تحفظهم، ولو تواروا وراء تكتلاتهم أو تحزبوا بـ (بلدياتهم ) نسبة إلى أبناء البلد الواحد على حد القول في الدارجة المصرية. قد تكون مناسبة الحديث عن المنافقين هو سقوط قناع الإخلاص المزيف عن بعضهم وهو ما يؤكد حتمية انكشافهم رغم الأقنعة الدائمة، فلابد أن توقعهم زلاتهم ربما، وربما تخلُّصهم من تحفظهم المستمر بين جمعة نميمة وأخرى.
ففي غمرة الفرح العميم الذي غمر النفوس والأرواح، في ثلاثاء الثلاثين من يناير المنصرم؛ ذلك الذي ملأ البيوت والشاشات والساحات، حين كان الفرح ضيفاً محبوباً انتظره الوطن وكل من أقام على ترابه الخيِّر لأعوام وعقود، وحيث إن سنوات عجافاً مرت خلت من بهجة نجاح يُمنح لقلوبٍ عطشت وعيونٍ كاد يجف فيها أمل الفوز المنتظر، ذلك الفرح الذي منحه منتخب الإمارات الوطني لكرة القدم، بإحرازه كأس البطولة الذي ألهب الأكف وأدمع الأعين وشملت سعادته البعيد والقريب، واغتبطت له الملايين المُحبة للإبداع ولو في ميدان رياضي.
كان ذلك الإنجاز الحقيقي الثمين محكاً ناجعاً كشف المنافقين بلا قصد منه؛ حيث وجد المرء أن ثمة من يصافح يده ويدعو عليها بالكسر، وأن ثمة من يبارك له بالكأس وهو يستكثره عليه، ويهنئه بالبطولة وقد تمناها لسواه، ويغبطه على حماسه بينما يدلل على ضعفه. أولئك هم المنافقون يرسمون البهجة في المشاركة وحين يخلون إلى شللهم لا يترددون في إشاعة ما يعتقدونه من عدم الأهلية وعدم الاستحقاق لمن تأهل وكسب، بل ومما يعكس الحقد الدفين تطاولهم على رموز الوطن وإنجازاته ونعتها بالنكرة!