حتى اللحظة لم نشاهد في المكتبات، كتابا بلا عنوان، وقد يبقى المؤلف شهورا في بعض الأحيان في رحلة البحث عن عنوان مؤلفه، يطفو أحيانا بعضها على السطح، ويغوص بعضها الآخر في هاوية النسيان، إلا أن يفرض العنوان وجوده بكل ثقة.

وقد يكون الأدباء أكثر الناس اهتماما بالعناوين، فهي مفتاح جذب القراء لاقتناء العمل الأدبي، ومن جهة أخرى، العنوان هو الذي يبقى في الذاكرة، يختصر كل الأحداث، وينسحب هذا على المسرحيات والأفلام أيضا. والأمر قد يختلف بالنسبة للفنون التشكيلية، فبعد أن كانت اللوحة تستمد تسميتها من حدث تاريخي ما، أو من وجوه تمتلك السلطة والجاه في زمنها، باتت اللوحات في الزمن المعاصر، تعرض في الكثير من الأحيان بلا عنوان، أو يمكن القول أن ما يدور في اللوحة لا يمكنه أن يتلاءم مع عنوانها.

وتختلف الآراء بهذا الشأن فهناك من يرجح أن تسمية الأعمال الفنية تحجم التأمل، وتقتل المخيلة، وهناك من يقول أن التسمية تفسر العمل خاصة إن كان عملا توثيقيا لوجه معروف، أو مكان معين، أو تفاعلا مع حدث ما يخلده الفنان بطريقته الخاصة.

والتأويلات ذاتها تنطبق على العمل الموسيقي الذي قد يأتي بعنوان مقطوعة أولى أو ثانية وهكذا، أو قد يقتحم الاسم المعزوفات ويترأسها بثقة .

ومهما كان من أمر عبرت التسمية فيما مضى عن انعطاف تاريخي، وسجلها التاريخ كما هي فلوحة «آنسات أفينون» للفنان الإسباني بابلو بيكاسو، لم تقف عند حدود تسمية لوحة بل أعلن هذا الاسم عن ولادة التكعيبية، وكذلك الأمر بالنسبة للوحة «انطباع شروق الشمس» للفنان الفرنسي كلود مونيه التي دفعت الناقد الفني نادار أن يطلق بعد رؤيته لهذه اللوحة في أول معرض لفنانين متمردين على الكلاسيكية المحدثة «الانطباعيون» والأمثلة كثيرة في هذا المجال وغيره .

ومهما قيل بشأن العناوين التي تتألق من كلمة أو أكثر إلا أنها تبقى لصيقة بالإنسان، ونشاطه الإبداعي أو الاجتماعي أو السياسي أو غيره، فتمنح الإيحاء وربما تطلق جماح الخيال أو تحده، ولكنها تبقى علامة التمييز أو التميز، التي تنادى بها أو تطلق عليها كما يحدث مع الإنسان فلا أحد بلا اسم، وإن صار قائدا يتحول اسمه إلى عنوان لمرحلة، إما أن تكون مثيرة للإبداع والفخر أو محبطة جالبة للرثاء، وفي كل الأوقات، يبقى الإنسان يبحث عن التفرد عن طريق العناوين والأسماء التي تؤثر بلا شك على مسيرة حياة أصحابها، وأحيانا الأعمال التي سميت بها وخلدها التاريخ مستقرة في الذاكرة.

Abeer_younes@hotmail.com