ثلاثون عاماً مضت حتى الآن.. وهي تنام وتصحو على ذات الخاطر، تهجس به ويُشعل في رأسها أفكاراً انتفخت حتى غدت كالبالون. ثلاثون عاماً.. وما هزم الغبار حيرتها ولا أضعَف التكرار هاجسها.

أي حلم.. يُشغل المرء ويستغرق كل ذاك العمر فلا يلغيه الزمن، ولا تنهكه اللاءات الجاهزة، ولا تضع المرآة حداً له أو خاتمة ونهاية؟

مَن بوسعه أن يبقى مهووساً بموعد رحلت عنه كل الفصول وما أتقن الاستسلام، وما ذَبُل قرار الهجرة وما تقلَّص بُعد النية الشاسع؟

ثلاثون عاماً.. وهي تنتهي إلى حيث بدأت، ولا شيء سوى الوحدة تطالعها وتصارحها بصمتٍ زائف.

تقطن تحت تاجها المحروق تُحدِّق في هدير الطائرات المزمجرة فوق رأسها، وتحصي تأشيرات السفر المُحال وهي تواسي حلماً أضحى مهرجانا من الرمال المتحركة.

ما زال قلبُها فجراً يبحث عن عيدٍ يشتاق له، وعن عمودٍ يتكئ عليه في ليالي الخوف الوحشي. وما زالت عينها تنتظر فرصة كونية تنقضُّ عليها لتنقذها من الصعود والسقوط والغضب المسعور.

أدمنت شاشات التلفزة، وكتب التنجيم، والثرثرات الموسومة بجنون الرغبة في الخروج من رحم الشرنقة.

ثلاثون عاماً.. والضوضاء تعصف بأبدية صمتها، ولا تغفر لها الانحياز إلى حلمٍ توسدته زمناً، ثم وُضع في قائمة المحرمات.

ثلاثون عاماً فرَّت عنها كالعصافير الهاربة، حين داهمها عبث الأطفال في موكب اللعب.. ثلاثون عاماً سقطت منها كما تسقط قطع (الدومينو).. وما عادت تشبه الشرفات المزدانة بأكاليل الربيع.

ثلاثون عاماً.. وهي تأمل بمن يُرغم قطار العمر الراكض على التوقف أو التمهل.. وتنتظر من يهزم انتصارها على الصبر.

ثلاثون عاماً بل أكثر.. وهي تحاول عبثاً أن تطوِّق العواصف الملونة المخبوءة تحت عباءتها، وثلاثون عاماً والضجر يكاد يكشف عن ساقيه ليركض مهرولاً نحو مصبات الخلاص المُجمَّدة.

ثلاثون عاماً.. وهي تنتظر عجوزاً يزرع عليها حكاية، ويقصُّ لها جناحاً تَعبر به النفق، ثم تزحف فوق الضوء تبكي أميراً لم يحررها ولم يطر بها، ثم تقضي ما تبقى من الأيام وحيدة تستجدي النسيان.

يا لحياة كُتب عليها الحَجْرُ بين أسوار الأسر والقوانين المختومة بالكبرياء المتشظي، فظلت محجوبة في غفلة البصيرة حتى كساها البياض الثلجي.

فكم ثلاثين عاماً تحتاج لتَنْتَحب بعد الرحيل؟ وكم مفتاحاً ستحتاج إليها لتُغلِق أبواب الوحدة؟ وكم صوتاً وشفةً ولساناً تكفي لتتعلم الكلام؟

بعدما شيَّدت للهزيمة حبكة قديمة، وجرحاً خاسراً، وماضيا يتقدمها في سباق الهرب، ويرشدها إلى طريق المغادرة النهائية، بجرة قلم رصاص أو حين يلف شريط الذكريات برأسها وبقلبها، فيطيح بهما معاً!

falhudaidi@albayan.ae