استغرقت الصباح كله لكي أوضح لمضيفي أن اهتماماتي تتجاوز متاحف البلاد وكنائسها، فكل ما يهمني هو شعبها، لذا سيكون من الأفضل إذا عرجنا على الأسواق في الشوارع، وعلى الرغم من ذلك أصروا قائلين إن اليوم عطلة، أي أن السوق مغلقة. سألتهم: «إلى أين نحن متوجهون؟» أجابوا:

«إلى إحدى الكنائس». صدق حدسي. قالوا: «اليوم هو يوم التكريم لقديس له مكانة خاصة في قلوبنا، وفي قلبك أيضاً بالتأكيد. سنذهب لزيارة ضريح هذا القديس. ولكن لا تطرح أية أسئلة، واقبل بحقيقة أننا في بعض الأحيان بمقدورنا أن نفاجئ الكتّاب بأمور جميلة».

سألتهم: «كم تستغرق الرحلة؟» جاءتني الإجابة: «عشرين دقيقة».عشرون دقيقة إجابة قياسية: بلا شك، أعلم أن الرحلة ستستغرق أكثر من ذلك. ولكنهم حتى الآن قابلوا كل طلباتي باحترام، لذا من الأفضل أن أستسلم هذه المرة.

كنت في يريفان، في أرمينيا، في صبيحة يوم أحد.

دلفت إلى السيارة راضخاً للأمر الواقع. رأيت في الأفق جبل أرارات مكسواً بالثلج. تأملت المنظر حولي. تمنيت لو أنني كنت أتجول في الخارج بدلاً من كوني محصوراً في تلك العلبة المعدنية. حاول مضيفيّ أن يكونوا لطيفين، ولكنني كنت مشتتاً، وقبلت على مضض «البرنامج السياحي الخاص». توقفوا عن المحاولة ومضينا في رحلتنا بصمت.

وبعد مضي خمسين دقيقة (صدق حدسي) بلغنا بلدة صغيرة وتوجهنا إلى كنيسة مكتظة. وجدت أن الجميع يرتدي بذات وربطات عنق، فالمناسبة رسمية، شعرت بأني أبدو مضحكاً إذ كنت لا أرتدي سوى الجينز والتي شيرت.

ترجلت من السيارة، كان هناك أشخاص من اتحاد الكتاب في انتظاري، وكنت ممسكاً بوردة و تم المضي بي بين الجمهور الحاضر، ونزلنا على درج خلف المذبح ووجدت نفسي أمام ضريح. أدركت أن القديس لا بد أنه مدفون هنا، ولكن قبل أن أضع الوردة أردت أن أعرف تماماً هوية الشخص الذي سأبدي تقديري له.

أتتني الإجابة: «القديس المترجم». القديس المترجم! في تلك اللحظة اغرورقت عيناي بالدموع. كان ذلك اليوم هو التاسع من أكتوبر 2004، اسم البلدة أوشاكان، وأرمينيا، بقدر ما أعلم، هي المكان الوحيد في العالم الذي يمنح عطلة وطنية للاحتفال بيوم القديس المترجم، القديس ميسروب.

إلى جانب إيجاده الحروف الأبجدية الأرمينية (حيث كانت اللغة موجودة بالفعل، ولكنها لم تكن تُستخدم إلا شفاهة فقط)، فقد كرس القديس حياته لنقل أهم النصوص المكتوبة باليونانية أو الفارسية أو السريالية في زمنه، إلى لغته الأم. وكرس هو وأتباعه حياتهم من أجل مهمة كبيرة تتمثل في ترجمة الإنجيل والكلاسيكيات الرئيسية للأدب في عصره. ومنذ ذلك الوقت، أضحى لثقافة بلاده هوية تنفرد بها، والتي تحتفظ بها الأجيال حتى اليوم.

أمسكت بالوردة بكلتا يديّ، وأنا أفكر بكل الأشخاص الذين لم أعرفهم قط والذين قد لا تسنح لي الفرصة لمعرفتهم ولكنهم في هذه اللحظات يحملون كتبي ويحاولون بذل كل ما بوسعهم كي يترجموا بإخلاص بقدر الإمكان ما حاولت إشراك قرائي فيه. ولكنني فكرت بما مر به حماي، كريستيانو أويتيسيكا، فقد كان مترجماً محترفاً. والذي ينظر إلى هذا المشهد اليوم بصحبة الملائكة والقديس ميسروب.

أتذكره وهو يميل على الآلة الكاتبة القديمة الخاصة به ويتذمر عادة من مدى قلة الراتب الذي يتقاضاه (ومن سوء الطالع أن الأمر لا يزال كذلك حتى اليوم). ومن ثم يفسر قائلاً إن السبب الحقيقي الذي يجعله يواصل مهمته هو حماسه للمشاركة في المعرفة، التي لولا فضل المترجمين، ما كانت لتصل إلى القراء.

ابتهلت بالدعاء بصمت لروحه، ولجميع من ساعدني في إعداد كتبي، وللمترجمين الذين مكنوني من قراءة أعمال آخرين لم أكن لأصل إليهم، ولمن ساعدني ـ من دون أن يذكر اسمه ـ على صياغة حياتي وشخصيتي. عندما خرجت من الكنيسة رأيت أطفالاً يرسمون الحروف الأبجدية، وحلويات على شكل أحرف، وورد.

عندما كشف الإنسان عن غروره، دمر الرب برج بابل وبدأ الجميع بالتحدث بلغات مختلفة. ولكنه برحمته اللامتناهية خلق أيضاً أشخاصاً سعيدين ببناء الجسور كي يفتحوا الباب للحوار، وينشروا الأفكار البشرية. هذا الرجل (أو المرأة) الذي قلما نأبه بالنظر إلى اسمه عندما نفتح كتاباً أجنبياً هو المترجم.

ترجمة: كوثر علي