تبدو جمالية الأبيض والأسود، التي تصل أحيانا إلى حدود التعبيرية العصرية سمة خاصة تميز الكثير من الأعمال الفنية.

فهذه الجمالية النابعة عن تضاد البهاء والعتمة تتمدد في الأفق، متحدة مع ألوان أخرى كالأزرق والأخضر، إنه هاجس البحث عن الآتي الجديد، في عالم معروف بالأبيض أو الأسود، أو لنقل التناقض والتباين، ذلك القانون الأزلي الذي يشع في كل ما نراه ونسمعه ونتخيله.

ألم يذهب الفلاسفة دوما إلى هذا الجدل المتعارض المتكامل، فهذا الجدل يتجلى بتوازن معالجات الأبيض والأسود، ويمنح بعض الفنانين التوازن الهيكلي للأجسام الهندسية، وكأنهم يشابهون كما يقال «ميزان الكون الذي يستقيم على جمالية الظاهر الذي يأخذ مداه الماورائي في جمالية الجوهر».

الجوهر يمنح الأسود والأبيض معاني بعيدا عن قيمتها اللونية، فكم من الشعراء والكتاب الذين أطلقوا على يوم ما كان مشبعا بالكوارث والهزائم، بأنه يوم أسود في حياة الشعوب، وكذلك الأبيض الذي رافق كل ناجح، والغريب بالأمر أن الأسود والأبيض كلونين يركبان من كل الألوان، قرص نيوتن يحلل الأبيض إلى درجات الطيف الشمسي وفيه كل الألوان التي تحيطنا، ومزج كل هذه الألوان مع بعضها تكون الأسود أيضا.

والغريب ان الفنانين في عصور مرت لم يستخدموا اللونين في لوحاتهم كانوا يعتبرونها نقطة ضعف في أعمالهم، فلا أبيض نقي، ولا أسود واضح، أما الآن في عصر يبيح كل شيء استخدم الفنانون كل ما يريدونه بجرأة تحرروا من القوانين غير المكتوبة، ربما لأن الزمن لم يعد يتراوح ما بين الأبيض والأسود وما بينهما من درجات تصل إلى ألف درجة يمكن تمييزها بالعين المجردة، فقد دخلت ألوان أخرى على الخط، ألوان لا تحمل الضد في جوهرها، وهذا ما يعبر عن اختلال موازين ما، فقد رحل العالم بعيدا عن التآلف والاختلاف، عن الشيء ونقيضه، عن الضد الذي يتولد من ضده.

كل هذا مفاهيم تتجلى في الإبداع الذي يبدو جزءا من الحياة لأنه نتاج إنساني بحت، والإنسان تمرد على السائد إذاً لتكن اللوحة محددة بالأسود الذي يضغط على العنصر، وكأنه يصرخ تحت وطأة المعنى، الذي يبدو واضحا أكثر في الأدب عندما تتحرر الذاكرة والخيال من التسلط الذي يمارسه المحيط عليهما، لتدور المعاني حول نقيضها الخير والشر، الحب والكراهية، الحياة والموت، الحرية والعبودية، وآلاف التناقضات الأخرى التي لا يمكن لعمل أدبي أن يخلو منها يحركها الكاتب على أمل أن تسحق قيمة ما نقيضها. حلم أبدي يداعبنا إلى الآن، إنها جدلية المعاني التي تشكلنا.. بعبارة أخرى ألفة وتناقض الأبيض والأسود.

Abeer_younes@hotmail.com